في اعقاب اللقاء الماروني الاول الموسع الذي عقد في بكركي، والذي تم في خلاله التطرق الى الطرح الارثوذكسي الذي يدعو الى تحقيق المناصفة الحقيقية بين المسيحيين والمسلمين على قاعدة قانون انتخابي جديد يأخذ في الاعتبار هذا الموضوع الهام، توقعت مصادر ان يخضّ هذا الطرح، المجتمع اللبناني على مختلف الصعد السياسية والحزبية والطائفية والمذهبية، كون المعلومات الاولية المتسرّبة من اللقاء الماروني، لم تشر الى معارضة فورية ومبدأية للطرح الارثوذكسي، بل الى رغبة عند المجتمعين بضرورة الاطلاع اكثر على مضمون الطرح واهدافه، علماً بأن اعتماد النسبية في قانون الانتخاب الجديد، كان الحصان «الفافوري» للقيادات المارونية، قبل دخول الطرح الارثوذكسي حلبة السباق.
بعد درسه وتمحيصه والمقارنة بين حسناته وسيئاته، اتخذت القيادات المارونية السياسية والروحية موقفاً واضحاً باعتماد طرح اللقاء الارثوذكسي في اجتماعها الاخير في بكركي، معتمدة في ذلك على ان هذا الطرح منبثق حقيقة من اتفاق الطائف نصاً وروحاً، حين شدد على المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في عدد النواب والوزراء ومراكز الفئة الاولى، وقال بالمحافظة دائرة انتخابية، مع اعادة النظر في التقسيم الاداري، بما يؤمن الانصهار الوطني، وضمن الحفاظ على العيش المشترك، وكان السؤال الاساس المطروح في اللقاء الماروني، هل سنّ قوانين انتخابية تعطي للمذاهب الاسلامية الثلاثة، السنّة والشيعة والدروز، فرصة انتخاب عدد كبير من النواب المسيحيين لا يملكون ثقلاً شعبياً وازناً، يؤمّن الانصهار الوطني ويضمن الحفاظ على العيش المشترك، ام انه يزيد في اضعاف المسيحيين وتهميشهم وبعثرة قواهم، ودفعهم الى الهجرة، استكمالاً للمخطط الذي وضع في بداية التسعينات لضرب المسيحيين، ولم يتحرّك مع الاسف الشريك المسلم لرفض هذا المخطط ووقفه؟
من هنا، فان الاصوات التي ارتفعت منددة بهذا الطرح، كانت على ما يبدو مندفعة في موقفها هذا، تحت تأثير فهم خاطئ لاتفاق الطائف، وتحت تأثير تطبيقه تطبيقاً خاطئاً واستنسابياً الى فترة طويلة، ما جعلهم اسرى هذا التطبيق الاستنسابي الاعرج، معتبرين انه الاسلم والاصح، ولم يفكروا الى لحظة في أن المسيحيين عندما قبلوا اتفاق الطائف، ووافقوا على نقل بعض صلاحيات رئيس الجمهورية الى مجلس الوزراء مجتمعا، كانوا يعوّلون على ممارسة دورهم في مجلس النواب وفي الحكومة، بقوّة وفاعلية على قاعدة انهم يملكون نصف العدد في المؤسستين، بعيداً من سيطرة شركائهم المسلمين الذين اخذوا حصتهم كاملة ويريدون فوقها اقتطاع جزء من الحصة المسيحية، وهذا الامر يناقض الوحدة الوطنية وصيغة العيش الواحد.
* * * *
من المفيد في هذه المناسبة الدقيقة التي يتصارع فيها الحق مع الرغبات الشخصية او الطائفية، ان نشير الى ان اللقاء الارثوذكسي لم يكن الاول الذي طرح وجوب قيام مناصفة حقيقية بين المسلمين والمسيحيين، فقد سبقه اليه البطريرك التاريخي الكاردينال نصرالله صفير في اكثر من مناسبة، وعلى ابواب كل انتخابات نيابية، عندما كان يصرّح بأن الطائف اعطى المسيحيين 64 نائباً ونحن نريد 64 نائباً منتخبين من المسيحيين، وكان صفير يتعرض دائماً الى انتقادات المتضررين من هذا الكلام، وكانوا على ما اذكر خليطاً من المسيحيين والمسلمين، لم يقرأوا في كلام البطريرك والاكثرية الساحقة من المسيحيين، سوى النصف الاول من الآية: لا اله، الاّ الله. لأن الكنيسة المارونية، والكنائس المسيحية الاخرى، وجميع ابناء هذه الكنائس يملكون النيّة الحسنة في طرحهم هذا، الذي هو المدخل الحقيقي لاستمرار التحالف والتعاون القائمين بين مسيحيي 14 آذار وشريكهم السنّي والشيعي والدرزي، ومسيحيي 8 آذار وشريكهم الشيعي والسنّي والدرزي، على عكس ما يعتقد، البعض او يشيع، واكبر برهان على هذا القول، مضمون البيان الختامي للقاء الماروني، والتصريحات التي اعلنها القياديون المسيحيون، حول تمسكهم بالحوار مع الشريك الاخر، وقبولهم أي طرح آخر، غير الطرح الارثوذكسي، يمكن ان يؤمّن الحقوق المسيحية، وتم تأليف لجنة سداسية تتولى مهمة مناقشة هذا الطرح مع مختلف الافرقاء، على قاعدة لم يعد ممكناً التنازل او التراجع عنها، وهي ان يتمتع المسيحيون بالحقوق التي يتمتع بها شريكهم المسلم، ولذلك كان من المستحسن والافضل ان يأخذ البعض نفساً عميقاً ويعدّ الى العشرة، قبل ان ينفعل ويثور ويطلق اتهاماته، ويتمثل بالموقف الهادئ المتّزن الذي اخذه رئيس مجلس النواب نبيه بري ودعا فيه، رغم معارضته للطرح، الى تفهّم الهواجس المسيحية، وعلى الرغم من ان موقف نواب تيار المستقبل قد اتى متأخراً قليلاً، لكنه خفف من وقع الحملة الظالمة التي شنّت على الطرح الارثوذكسي وعلى المجتمعين في بكركي، والجميع الآن بانتظار ان تجول لجنة لقاء بكركي على القيادات الاسلامية الروحية والحزبية لوضعها في الصورة الحقيقية لمطالب المسيحيين، على أمل أن تكون النتائج ايجابية، وتصبّ في مصلحة وحدة الوطن والشعب، بالتوافق على هذا الطرح، او بالتفتيش عن صيغة بديلة ترضي المسيحيين، وتبدد هواجسهم، وتؤمن المناصفة الواقعية، وليس المناصفة على الورق وبالشعارات ليس الاّ.
حبر كثير سيسيل، ومواقف عديدة ستطلق حول هذا الموضوع، لكن العبرة بالنتائج، والجميع بالانتظار.