الجمعة بعد أحد النّسبة
قراءَةٌ منَ القدِّيسِ يوحنَّا الصَّليبي (+1591) في المسيحِ قالَ اللهُ لنا كلَّ شيء
كانَ جائزًا في الشِّريعةِ القديمَةِ ٱستجوابُ الله، وكانَ جديرًا بٱلأنبياءِ والكهنةِ أَن يتوقُوا إِلى الرُّؤَى والإِيحاءَات، لأَنَّ الإِيمانَ لم يكنْ بعدُ جليًّا، ولا الشَّريعةُ الإِنجيليَّةُ موضوعَة. لذا كانَ من الضَّروريْ أَن يُعلِنَ اللهُ مشيئَتَهُ إِمَّا بٱستعمالهِ الكلامَ البشريَّ، أَو بٱلرُّؤَى والإِيحاءَات، مجرَّدِ صورٍ ورموز، أَو بأَيِّ وسيلةٍ أُخرى للتَّعبير…
أَمَّا الآنَ، وقد تأَسَّسَ الإِيمانُ في المسيحِ، وحُدِّدَتِ الشَّريعةُ الإِنجيليَّةُ في عهدِ النِّعمَة، فلا مجالَ بعدُ استشارَةِ اللهِ على تلكَ الطَّريقَة، لكي يكلِّمَنا ويُجيبَنا. لأَنَّهُ عندما أَعطَانا ٱبنَهُ، وابنُ هو كلمتُهُ الأَخيرَةُ القاطعَة، قالَ لنا كلَّ شيءٍ دفعةً واحدة، ولم يعُدْ لديهِ ما يقول. هٰذا هو تعليمُ مار بولسَ إِلى العبرانيِّينَ عندما كانَ يحرِّضُهُم على تركِ الممارساتِ البدائيَّةِ والعلاقاتِ مع اللهِ بحسبِ شريعةِ موسى، حاثًّا إِيَّاهُم على التَّحديقِ إِلى المسيحِ وحدَهُ، ويقولُ لهُم: "إِنَّ اللهَ الَّذي كلَّمَ الآباءَ قديمًا في الأَنبياءِ كلامًا متفرِّقَ الأَجزاءِ مختلفَ الأَنواع، كلَّمَنا أَخيرًا في هٰذه الأَيَّامِ في ابن". وهٰكذا يُعلِّمُنا الرَّسولُ أَنَّ اللهَ صارَ نوعًا ما أَبكَم: لم يبقَ لديهِ شيءٌ يقولُهُ لنا، لأَنَّ كلَّ ما قالَهُ سابقًا يتصريحاتٍ مجزَّأَةٍ في الأَنبياءِ، يقولُهُ الآنَ بنوعٍ كاملٍ، معطيًا إِيَّانا كلَّ شيءٍ في ابن.
الرّسالة: عب 11: 32-40
32 وماذا أقول بعد؟ فإنّ الوقت يضيق بي وأنا أخبر عن جدعون وباراق وشمشون ويفتاح وداود وصموئيل والأنبياء،
33 الّذين بٱلإيمان قهروا الممالك، وعملوا البرّ، ونالوا الوعود، وسدّوا أفواه الأسود،
34 وأخمدوا قوّة النّار، ونجوا من حدّ السّيف، ونالوا من الضّعف قوّة، وصارروا أشدّاء في القتال، وهزموا عساكر الغرباء،
35 وٱستردّت نساء أمواتهنّ بٱلقيامة. وآخرون عذّبوا بتوتير الأعضاء والضّرب، ورفضوا النّجاة، لكي يحصلوا على قيامة أفضل.
36 وآخرون ذاقوا الهزء والجلد، وأيضًا القيود والسّجن.
37 ورجموا، ونشروا، وماتوا بحدّ السّيف، وهاموا على وجوههم لابسين جلود الغنم والماعز، وهم محتاجون ومضايقون ومذلّلون،
38 تائهون في البراري والجبال والمغاور وشقوق الأرض، هم الّذين لم يكن العالم مستحقًّا لهم.
39 فأولٰئك جميعهم، قد شهد لهم بٱلإيمان، لم ينالوا الوعد؛
40 لأنّ الله سبق فأعدّ لنا ما هو أفضل، لئلّا يجعلوا كاملين بدوننا!
شرح آيات الرّسالة:
32-40 المرحلة الأخيرة من تاريخ الخلاص الكتابيّ في مقطعين: لوح شامل (32-35أ)، لائحة بٱنتصارات الإيمان الثّابت، من القضاة إلى شهداء المكابيّين؛ وأبطال متألّمون (35ب-40)، وصف لعذابات مبرّحة ومتنوّعة قاساها أبطال الإيمان ثابتين، على رجاء قيامة أفضل. لا يمكن، في لائحة انتصارات، ولا في لائحة العذابات، معرفة الأشخاص المشار إليهم بالتّحديد، بل على وجه التّقريب.
32 قض 6/11؛ 4/6؛ 15/20؛ 12/7؛ 1 صم 3/20؛ 12/11.
لم يذكر الكاتب من القضاة سوى خمسة، ومن الملوك سوى داود وحده، ومن الأنبياء سوى صموئيل وهو قاضٍ ونبيّ، شاملًا بكلمة واحدة جميع الأنبياء من القضاة إلى دانيال.
33 دا 6/1-27؛ 3/49-50؛ قض 14/6-7؛ 1 صم 17/34-36.
قهروا الممالك، وعملوا البرّ: إشارة إلى زمن القضاة وزمن مُلك داود (1 صم 7/15-17؛ 2 صم 8/15).
سدّوا أفواه أسود: إشارة إلى شمشون (قض 14/6)، وداود (1 صم 17/34-35؛ 2 صم 23/20)، ودانيال (6/23؛ 1 مك 2/60).
34 دا 3/23-25.
أخمدوا قوّة نار: إشارة إلى أطفال الأتّون (دا 3/45-50؛ 1 مك 2/59).
نجوا من حدّ سيف: إشارة إلى الأنبياء إيليّا (1 مل 19/1)، وإرميا (26)، وداود (1 صم 18/11؛ 19/10؛ مز 144/10).
نالوا من الضّعف قوّة: إشارة إلى شفاء حزقيّا (آش 38)، وبطولة يهوديت (13/7)، ومبارزة داود لجُليات (1 صم 17).
صاروا أشدّاء قتال، وهزموا عساكر الغرباء: إشارة إلى زمن المكابيّين.
35 1 مل 17/23؛ 2 مل 4/25-37؛ 2 مك 6/18-7/42.
واستردّت نساء أمواتهنّ: إشارة إلى أرملة صرفت صيدا الّتي أقام إيليّا ٱبنها الميت (1 مل 17/7-24)، وإلى المرأة الشّونميّة الّتي أقام أليشاع ٱبنها (2 مل 4/33-37).
التّوتير والضّرب: عذاب أليم يقوم بأن يُعلّق المحكوم عليه بدولاب، ثم يوسع ضربًا قاسيًا حتّى يتمزّق جسمه ويموت (2 مك 6/28).
قيامة أفضل: إشارة إلى شهادة المكابيّين (2 مك 6-7)، الّذين آثروا الموت من أجل إيمانهم على الحياة الدُّنيا، فحصلوا على حياة أبديّة (2 مك 7/36).
36 1 مل 22/26-27؛ 2 أخ 18/25-26؛ إر 20/2؛ 37/15؛ 38/6.
القيود والسّجن: إشارة إلى النّبيّ ميخا بن يِمْلا (2 أخ 18/25-26)، والنّبيّ إرميا (37/14-15).
37 1 مل 19/3؛ 2 أخ 24/21.
إشارة إلى نصوص كتابيّة، وسّعها التّقليد الرّبّينيّ والأدب المنحول: النّبيّ زكريّا بن يوياداع رُجم (2 أخ 24/20-21)، والنّبيّ آشعيا، بحسب التّقليد نُشر!
38 إشارة إلى زمن المكّابيّين (1 مك 2/28، 31؛ 2 مك 5/27؛ 6/11؛ 10/6).
39-40 خاتمة الفصل كلّه. الآية 39 تعيد الآية 2 "شُهد لهم بالإيمان"، وتهيّئ الآية 40 "ما أحرزوا الوعد". والآية 40 تعلّل ذٰلك بأنّ وعد الله، وهو مشروعه الخلاصيّ التّاريخيّ النّهائيّ، لم يتحقّق كاملًا إلّا في يسوع المسيح "رائد إيماننا ومُتِمّه" (12/2). لا قيمة للوعد إن لم يُحقَّق، ولا معنى للعهد القديم بدون العهد الجديد. بدأ يسوع زمن الخلاص والكمال (2/10؛ 5/9؛ 7/28؛ 10/14). يسوع وحده فتح لنا طريق السّماء (9/11؛10/19). أبرار العهد القديم لم يبلغوا الكمال بٱلشّريعة (7/19؛ 9/9؛ 10/1)، بل ٱنتظروا قيامة المسيح ليحصلوا على الكمال، على الحياة الأبديّة (12/52؛ متّى 27/32؛ 1 بط 3/19).
40 1 بط 1/10-12؛ 3/19.
الإنجيل
يو 12: 44-47
44 وهتف يسوع فقال: "من يؤمن بي فما بي يؤمن، بل بمن أرسلني.
45 ومن يراني يرى من أرسلني.
46 أنا جئت نورًا إلى العالم، لكي لا يبقى في الظّلام كلّ مؤمن بي.
47 فمن سمع أقوالي ولم يحفظها، فأنا لا أدينه، لأنّي ما جئت لأدين العالم، بل لأخلّص العالم.
شرح آيات الإنجيل:
44-50 خطاب يسوع هٰذا في غير موضعه الأصليّ: لقد توارى يسوع عن المسرح (12/36)، وقوّم الإنجيليّ حياة يسوع العلنيّة (12/37-43)، وها هو يعود إلى الكلام في نداء تحذيريّ أخير، وفي الآيات الأخيرة من القسم الأوّل من إنجيل يوحنّا، وكأنّ يسوعَ يقوّم معنى رسالته، وحياته العلنيّة.
44 يو 5/24؛ 11/30؛ 13/20؛ متّى 10/40.
45 يو 14/7-9.
46 يو 3/19؛ 8/12؛ 9/5؛ 12/35.
47 يو 3/11، 17؛ 8/15؛ لو 8/21؛ 11/28؛ متى 13/18-23.
ما جئت لأدين العالم، بل لأخلص العالم: حرفيًّا "ما أتيت لأدين العالم، بل لأخلّص العالم".
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع القراءة: (زمن الميلاد المجيد جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1977).
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ.