السّبت بعد أحد النّسبة
قراءَةٌ منَ القدِّيسِ يوحنَّا الصَّليبي (+1591) في المسيحِ قالَ اللهُ لنا كلَّ شيء (تابع)
نستخلصُ إِذًا، أَنَّ الرَّغبَةَ في الإِيحاءَاتِ والرُّؤَى، في الشَّريعةِ الجديدة، ليستْ جهالةً فحسبُ، بل إِنَّها إِهانةٌ موجَّهَةٌ إِلى الله. لأَنَّنا بذٰلِكَ لا نلقي بأَنظارِنا إِلى المسيحِ وحدَهُ بل نُفتِّشُ عن شيءٍ جديدٍ خارجًا عنهُ. فيُجيبُنا الله: إِن كنتُ قلتُ لكُم كلَّ ما كانَ لديَّ أَن أَقولَهُ في الكلمةِ ٱبني، ولم يعدْ لديَّ ما يمكنُني أَن أُعلنَهُ أَو أُجيبَ بهِ بأَكملَ ممَّا فعلتُ، فعليكُم أَن تُحدِّقوا بأَنظارِكُم إِليهِ وحدَهُ، لأَنَّي فيهِ أَنشأْتُ كلَّ شيء، وفيهِ قلتُ كلَّ شيء، وأَوحيتُ بكلِّ شيء، وفيهِ تجدونَ فوقَ ما تبتغونَ وتطلبونْ… من يومَ حللتُ فيهِ بروحِي على جبلِ التَّجلِّي، وقلتُ: هٰذا هو ٱبنِي الحبيبُ الَّذي بهِ سررتُ، فلهُ ٱسمعوا، أَوقفتُ كلَّ ممارساتِ التَّعليمِ القديمَة، وأَسندتُ إِليهِ تلكَ الرِّسالة؛ فٱسمعوا لهُ، لأَنَّهُ لم يعدْ لي أَيُّ إِيمانٍ أُظهرُهُ، ولا أَيُّ شيءٍ أُعلنُهُ. قبلَ هٰذهِ السَّاعة، تكلَّمتُ لأَعِدَكُمُ بٱلمسيح، وأَجبتُ على أَسئلةٍ تتلاءَمُ والتَّفتيشَ عنِ المسيحِ والأَملَ بهِ. كانَ يجبُ أَن يُحصرَ في المسيحِ كلُّ خير، كما يعلنُهُ الآنَ الإِنجيليُّونَ والرُّسل.
الرّسالة عب11: 32-40
32 وماذا أَقولُ بعد؟ فإِنَّ الوقتَ يضيقُ بي وأَنا أُخبرُ عن جدعونَ وباراقَ وشمشونَ ويفتاحَ وداودَ وصموئيلَ والأَنبياء،
33 الَّذينَ بٱلإِيمانِ قهرُوا الممَالِك، وعمِلُوا البِرّ، ونالوا الوعُود، وسدُّوا أَفواهَ الأُسود،
34 وأَخمدُوا قوَّةَ النَّار، ونجَوا من حدِّ السَّيف، ونالُوا منَ الضُّعفِ قوَّة، وصارًوا أَشدَّاءَ في القتَال، وهزَمُوا عساكرَ الغُربَاء،
35 وٱستردَّتْ نساءٌ أَمواتهُنَّ بٱلقيامَة. وآخرُونَ عذِّبُوا بتوتيرِ الأَعضاءِ والضَّرب، ورفضُوا النَّجاة، لكي يحصَلُوا على قيامةٍ أَفضل.
36 وآخرونَ ذاقُوا الهُزءَ والجلْد، وأَيضُا القيودَ والسِّجْن.
37 ورُجمُوا، ونشِرُوا، وماتوا بحَدِّ السَّيف، وهامُوا على وجوهِهِم لابسينَ جلودَ الغنمِ والماعز، وهُم محتاجونَ ومضايقونَ ومذلَّلون،
38 تائهونَ في البرارِي والجبالِ والمغاورِ وشقوقِ الأَرض، هُمُ الَّذينَ لم يكنْ العالمُ مستحقًّا لهُم.
39 فأُولٰئكَ جميعُهُم، قد شهِدَ لهُم بٱلإِيمان، لم ينالُوا الوَعْد؛
40 لأَنَّ اللهَ سبقَ فأَعدَّ لنَا ما هو أَفضل، لئَلَّا يُجعَلُوا كامِلينَ بدونِنَا!
شرح آيات الرّسالة:
32-40 المرحلة الأخيرة من تاريخ الخلاص الكتابيّ في مقطعين: لوح شامل (32-35أ)، لائحة بٱنتصارات الإيمان الثّابت، من القضاة إلى شهداء المكابيّين؛ وأبطال متألّمون (35ب-40)، وصف لعذابات مبرّحة ومتنوّعة قاساها أبطال الإيمان ثابتين، على رجاء قيامة أفضل. لا يمكن، في لائحة انتصارات، ولا في لائحة العذابات، معرفة الأشخاص المشار إليهم بٱلتّحديد، بل على وجه التّقريب.
32 قض 6/11؛ 4/6؛ 15/20؛ 12/7؛ 1 صم 3/20؛ 12/11.
لم يذكر الكاتب من القضاة سوى خمسة، ومن الملوك سوى داود وحده، ومن الأنبياء سوى صموئيل وهو قاضٍ ونبيّ، شاملًا بكلمة واحدة جميع الأنبياء من القضاة إلى دانيال.
33 دا 6/1-27؛ 3/49-50؛ قض 14/6-7؛ 1صم 17/34-36.
أخضعوا ممالك، وصنعوا برًّا: إشارة إلى زمن القضاة وزمن مُلك داود (1 صم 7/15-17؛ 2 صم 8/15).
سدّوا أفواه أسود: إشارة إلى شمشون (قض 14/6)، وداود (1 صم 17/34-35؛ 2 صم 23/20)، ودانيال (6/23؛ 1 مك 2/60).
34 دا 3/23-25.
أخمدوا قوّة نار: إشارة إلى أطفال الأتّون (دا 3/45-50؛ 1 مك 2/59).
نجوا من حدّ سيف: إشارة إلى الأنبياء إيليّا (1 مل 19/1)، وإرميا (26)، وداود (1 صم 18/11؛ 19/10؛ مز 144/10).
نحتوا من ضعف قوّة: إشارة إلى شفاء حزقيّا (أش 38)، وبطولة يهوديت (13/7)، ومبارزة داود لجُليات (1 صم 17).
صاروا أشدّاء قتال، وهزموا عساكر غرباء: إشارة إلى زمن المكابيّين.
35 1 مل 17/23؛ 2 مل 4/25-37؛ 2 مك 6/18-7/42.
واستردّت نساء أمواتهنّ: إشارة إلى أرملة صرفت صيدا الّتي أقام إيليّا ابنها الميت (1 مل 17/7-24)، وإلى المرأة الشّونميّة الّتي أقام أليشاع ابنها (2 مل 4/33-37).
التّوتير والضّرب: عذاب أليم يقوم بأن يُعلّق المحكوم عليه بدولاب، ثم يوسع ضربًا قاسيًا حتّى يتمزّق جسمه ويموت (2 مك 6/28).
قيامة أفضل: إشارة إلى شهادة المكابيّين (2 مك 6-7)، الّذين آثروا الموت من أجل إيمانهم على الحياة الدُّنيا، فحصلوا على حياة أبديّة (2 مك 7/36).
36 1 مل 22/26-27؛ 2 أخ 18/25-26؛ ار 20/2؛ 37/15؛ 38/6.
بسلاسل وسجن محنوا: إشارة إلى النّبيّ ميخا بن يِمْلا (2 أخ 18/25-26)، والنّبيّ إرميا (37/14-15).
37 1 مل 19/3؛ 2 أخ 24/21.
إشارة إلى نصوص كتابيّة، وسّعها التّقليد الرّبّينيّ والأدب المنحول: النّبيّ زكريّا بن يوياداع رُجم (2 أخ 24/20-21)، والنّبيّ أشعيا، بحسب التّقليد نُشر!
38 إشارة إلى زمن المكّابيّين (1 مك 2/28، 31؛ 2 مك 5/27؛ 6/11؛ 10/6).
39-40 خاتمة الفصل كلّه. الآية 39 تعيد الآية 2 "شُهد لهم بٱلإيمان"، وتهيّئ الآية 40 "ما أحرزوا الوعد". والآية 40 تعلّل ذٰلك بأنّ وعد الله، وهو مشروعه الخلاصيّ التّاريخيّ النّهائيّ، لم يتحقّق كاملًا إلّا في يسوع المسيح "رائد إيماننا ومُتِمّه" (12/2). لا قيمة للوعد إن لم يُحقَّق، ولا معنى للعهد القديم بدون العهد الجديد. بدأ يسوع زمن الخلاص والكمال (2/10؛ 5/9؛ 7/28؛ 10/14). يسوع وحده فتح لنا طريق السّماء (9/11؛10/19). أبرار العهد القديم لم يبلغوا الكمال بٱلشّريعة (7/19؛ 9/9؛ 10/1)، بل ٱنتظروا قيامة المسيح ليحصلوا على الكمال، على الحياة الأبديّة (12/52؛ متّى 27/32؛ 1 بط 3/19).
40 1 بط 1/10-12؛ 3/19.
الإنجيل
يو 12: 48-50
48 منْ يرذُلُني، ولا يقبلُ أَقوالي، فلَهُ ديَّانُهُ: أَلكلمةُ الَّتي قُلتَهَا هي تدِينُهُ في اليومِ الأَخير؛
49 لأَنَّي ما تكلَّمتُ من تلقاءِ نفسي، بل الآبُ الَّذي أَرسلَنِي هو أَوصانِي بما أَقولُ وبما أَتكلَّم.
50 وأَنا أَعلمُ أَنَّ وصيَّتَهُ حياةٌ أَبديَّة. وما أَتكلَّمُ بهِ، فكمَا قالَ لي الآبُ، هٰكذا أَنا أَتكلَّم".
شرح آيات الإنجيل
48 تث 31/26-29؛ يو 8/37، 47.
49 يو 7/17؛ 14/10؛ 3/11، 34؛ تث 18/18-19.
50 يو 6/40؛ 8/26، 28؛ 17/2.
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع القراءة: (زمن الميلاد المجيد جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1977).
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ