هل تساءَلَ أحدُنا، ونحنُ على بعدِ أيام معدودةٍ من ذكرى ميلادِ المخلّص، عنْ معنى العيدِ وعنِ السرِّ العظيمِ الذي يَنطوي عليه؟
هل تساءلَ أحدُنا لماذا تجسّد ابنُ الله وصارَ إنساناً؟
إن أعظمَ أسرارِ الخليقة تكادُ ذكراهُ تمرُّ مرةً جديدةً دون أن تستوقفَنا معانيهِ ومراميه.
فيسوع تجسّد ليرفعَ المادةَ ويهبَ الجسدَ كرامةً، ليُفهِمَنا أن الجسدَ معبدٌ للروح.
بتجسّده أدخلَ يسوعُ في عالمِنا المحسوسِ قيَماً غيرَ محسوسةٍ، أدخلَ في الزمنِ قيماً أزليةً، فتحَ الزمانيَّةَ على الأبدية وجعلَ منها دربَ الخلاص.
بتجسّده حطّمَ يسوعُ كبرياءَنا وعلّمَنا التواضع.
بتجسّده صارَ المسيح لنا أخاً وصارتِ السماءُ نداءً ووعداً. تجسُّدُ المسيحِ دعوةٌ لأجسادنا لتصير معابدَ وهياكلَ للروح بعد أن كانتْ مقابرَ لها.
هذه هي الرسالةُ التي أتى من أجلِها المسيحُ والتي تجسَّدَ ليعلِّمَنا إياها. فماذا تعلّمْنا منها، وهل أعطّت ثمارَها بعد ألفينِ ونيّفٍ من السنين ؟
بعد واحدٍ وعشرين قرناً على ميلادِه، ما زالَ المسيحُ ينتظرُ رِجْعَ صدى كلمتِهِ في نفوسِنا.
بعد واحدٍ وعشرين قرناً ها هو العيدُ يتحوَّلُ الى مجرَّدِ ذكرى، تغلُبُ عليها البهرجةُ والملابسُ والهدايا والزيارات. لم يعدِ العيدُ للصلاةِ والتأملِ في سرِّ التجسدِ، لم يعدْ للغفرانِ ولمحبةِ القريبِ، ولا لمساعدةِ المحتاجِ…
إن عيدَ الميلادِ لم يعدِ اليومَ مناسبةً دينيةً بقدْرِ ما أصبحَ مناسبةً إجتماعيةً، وهو لم يعدْ مناسبةً إيمانيةً بقدرِ ما أصبحَ مناسبةً فولكلورية…
ونسألُ بعدُ، ألأجلِ هذا تجسدَ المسيحُ، أم أنَّهُ بمولدِهِ أرادَ أنْ يولَدَ العالمُ معهُ من جديد، وأنْ تنكسر أغلال الشهوة فنتحررَ من ميولِ الجسد ؟
إنَّ العودةَ الى معاني العيدِ هي العيدُ وهي هديةُ العيدِ، وكلُّ ما عدا ذلكَ من مظاهر هو قشورٌ وأبعدُ ما يكون عن العيد وروحيَّة العيد.