عون استرجع حلفاءه وخسر اجتماعياً بضربه ديمومة العمل
الأجور بعد التمويل أحرجت "حزب الله" فأخرجته عن مرونته
عندما كشف رئيس الحكومة نجيب ميقاتي أمام "النهار" قبل أيام عدم استعداده للخوض في معركة الاجور مجدداً في ظل تمسك وزير العمل شربل نحاس بمشروعه، كان يعي أن تلك المعركة ستكون خاسرة لمن سيخوضها، لإدراكه أولاً أن ما تم التوصل اليه من اتفاق بين أصحاب العمل والعمال هو أفضل الممكن في الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر فيها البلاد وأكثر قابلية للتطبيق من مشروع نحاس الذي لا يراعي تلك الظروف وقدرة المؤسسات على تحمل الاعباء التي يرتبها.
والمعركة ستكون خاسرة في رأيه لأن من يخوضها يقوم بذلك على خلفية محض سياسية يسعى من خلالها الى رد الاعتبار لسلطة افتقدها ولحلفاء مترددين في مواقفهم وقد عبّر عن ذلك التصويت السابق لوزراء "أمل" و"حزب الله" الى جانب مشروع رئيس الحكومة على حساب الوقوف الى جانب الشريك المسيحي في السلطة.
ولأن ميقاتي غير راغب في الخضوع لأي مقايضة سياسية تنجم عن تنازل "تكتل التغيير والاصلاح" عن مشروع نحاس لمصلحة دفعه الى القبول بسلة تعيينات يفرضها التكتل في طليعتها تعيين القاضي طانيوس مشلب في رئاسة مجلس القضاء الاعلى، فقد اختصر رئيس الحكومة دوره بالأمس في مجلس الوزراء باعلان توصله الى اتفاق جديد بين اصحاب العمل والعمال يأخذ في الاعتبار ملاحظات مجلس الشورى ويضمن موافقته عليه. وهو نجح في مقاربته هذه في تقديم مصلحة فريقي الانتاج باتفاق يرضي كليهما يحفظ ديمومة العمال ولا يحمل الاقتصاد أعباء لا قدرة له عليها.
واذا كان العماد عون وضع قرار الاجور في رصيد "انجازاته" الاصلاحية والتغييرية، فهو حتماً أغفل أن تمسكه بمشروع نحاس على حساب توافق العمال وأصحاب العمل برعاية رئيس الحكومة سيرتد عليه سلباً في أكثر من جانب.
فهو أولا غلَب المصلحة السياسية على ما عداها باستعادته الحلفاء والامساك بالقرار السياسي بعدما نجح رئيس الحكومة في وضع كل انجاز حكومي في رصيده السياسي.
لكن كسب عون بتأكيده وحلفائه أنهم هم أصحاب القرار والسلطة وأن "عين ميقاتي لا يمكن أن ترتفع فوق حاجب الحلفاء" تحت شعار الحفاظ على الحكومة، لا يعني أنه سدد ضربة الى رئيس الحكومة لأن تصويت الحلفاء الى جانب مشروع نحاس لم يأت عن اقتناع بصحته ( والا كانوا صوتوا معه في المرة السابقة)، بل لأن عون سيضطر الى مقايضة هذا التصويت بالتنازل عن مشروع نحاس الصحي لمصلحة مشروع وزير الصحة حول البطاقة الصحية. وهو بذلك وقع في الفخ الذي جره اليه كل من رئيس الحكومة والحلفاء اذ بدا أن أولوية عون سياسية حتى لو ضرب قرار الاجور عرض الحائط مصلحة الاقتصاد وديمومة العمال. وقد برز ذلك واضحا من موقف عضو التكتل وزير السياحة فادي عبود الذي تحدث عن "ارهاب فكري" يمارس داخل التكتل، غامزا من قناة أفكار نحاس وشروحاته الملتبسة التي استدرج فيها عون ووزراءه الى تصويت سياسي لا يأخذ في الاعتبار الجدوى الاقتصادية والاجتماعية، علماً أنه كان يمكن عون أن يحقق انتصاراً سياسياً واقتصاديا لو سحب بساط ادارة الحوار من تحت أقدام رئيس الحكومة (الذي مارس صلاحياته الدستورية بعدما تعذر على اصحاب العمل التفاهم مع وزير العمل بغية الوصول الى توافق مع العمال!). وينتظر أن تصب زيارة رئيس الهيئات عدنان القصار اليوم للرابية في اطار شرح مخاطر القرار المتخذ. في أي حال، تتجه الحكومة الى قرار رابع في شأن الاجور مع توجه مجلس الشورى الى رفض القرار لأكثر من مخالفة.
ولن تكون القرارات الحكومية المتناقضة الا انعكاسا لما تتخبط فيه الاكثرية من تناقضات في الرؤية والمقاربة، سياسية كانت أم اقتصادية أم اجتماعية. فالاكثرية التي تسعى الى استعادة تضامنها، تعيش تحت وطأة انقسامات مكوناتها كما بدا جلياً من تناقض المواقف من الملفات المطروحة، كما تعيش تحت وطأة الاحراج الذي يواجهه "حزب الله" بعدما سهًل على رئيس الحكومة قرار تمويل المحكمة وان على أساس أنه من خارج مجلس الوزراء، علماً أن كل المعطيات المحيطة بهذه المسألة تدل على أن التمويل وان تم بقرار ميقاتي عبر الهيئة العليا للاغاثة وغطت مبالغه مجموعة من المصارف ( بينها مصرفان تعود غالبية أسهمهما الى رجال أعمال من الطائفة الشيعية)فان آلية التمويل ستمر حكما بمجلس الوزراء الذي يعود اليه قبول الهبة. وهذا الاحراج الذي سببه بند تمويل المحكمة بدأ ينعكس على العلاقة بين الحزب وحلفائه، بحيث بات مضطراً الى مجاراتهم في مطالبهم للحفاظ على الغطاء الذي يوفرونه له، وبين الحزب وميقاتي الذي "فهم الرسالة" على ما نقل عنه بعد قرار مجلس الوزراء.
لا شك في أن قرار الاجور لم يغير المعادلات كما قال وزير الطاقة جبران باسيل لكنه دون شك أظهر أن الارباك والاحراج بلغا حجماً لم يعد ممكنا اخفاؤهما أو معالجتهما حتى لو على حساب الاقتصاد ولقمة عيش المواطن وديمومة عمله.