دخل القاعة رافعاً علامة النصر بأن "إتفاقاً" تم على "تصحيح الأجور"، فإذ به يخرج منها "مكسوراً" و"خائباً" بأن "إنقلاباً" حصل لن يسلم من نتائجه.
مضحكٌ مبكٍ ما أصاب الرئيس نجيب ميقاتي في جلسة مجلس الوزراء الأخيرة. ربما، وعلى سبيل لفت نظره، كان الأجدى به قبل أن يرفع "علامة النصر"، أن يرفع "سماعة الهاتف" ويقف على خاطر مرشد حكومته، الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله، إذا ما كان راضياً على الإتفاق أم لا، كي يأخذ "موافقة مبدئية" على رفع "شارة النصر" ممن يحمل وكالتها المسجلة.
فلم يكن خافياً على أحد أن نصر الله حتى اللحظة "لم يهضم" ما ابتدعه ميقاتي من "مخرج" لتمويل المحكمة الخاصة بلبنان، غصباً عن "حزب الله"، الأمر الذي تسبب له بأزمة مع "أشرف الناس" بأنه مرر تمويل محكمة "إسرائيلية وأميركية"، وإن كان مرره على "مضض" بناء على رغبة سورية.
بهذا المعنى، يتضح أن "حزب الله" رفع "البطاقة الحمراء" في وجه ميقاتي لأنه اتقن ارتكاب الأخطاء في منطقة الجزاء، ولم تعد تنفع معه "البطاقة الصفراء" بعد أن ظن أنه "رأس حربة" في اللعب على تناقضات الأكثرية في سياق يهدد استمراريتها، فإذ بالحزب يُعيد "تحجيم" ميقاتي إلى "حارس مرمى" ضعيف مهمته أن يُشرع "مرمى الدولة" أمام الحزب وحلفائه لتسجيل أكبر عدد ممكن من الأهداف في مرحلة عنوانها الانتظار وترقب ما يجري على الساحة السورية.
وما يعزز هذه القراءة، بحسب المراقبين، أن ميقاتي الذي أزعج "حزب الله" بـ"التمويل" وجعله "يبلع الموس"، وضع علاقة الحزب مع حليفه المسيحي الأول، النائب ميشال عون، على المحك، بعد أن أخذ الأكثرية بـ"المفرق" وأسقط بـ"التصويت" مشروع وزير العمل شربل نحاس الخاص بتصحيح الأجور لمصلحة مشروعه، ما تسبب بأزمة حادة بين ثلاثي الأكثرية "حزب الله" "امل" "التيار الوطني الحر"، لم يكن ممكناً حلها إلا بـ"عملية جذرية" كالتي حصلت في الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء، والتي انكسر فيها ميقاتي أمام أكثرية ارادت أن تثبت أن جلسات "شد العصب والأعصاب" التي واظبت عليها قد فعلت فعلها، إلى أن تم اللقاء بين الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله والنائب ميشال عون لاستعادة "نضارة التحالف".
وقد تبين بنتيجة ما شهدته الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء، أن إجتماعات التنسيق بين وزراء "ثلاثي الأكثرية" كانت موجهة ضد الرئيس ميقاتي بالدرجة الأولى، وهو شاء أم أبى، تلقى "ضربة قاضية" كانت كافية لـ"تزليط" ميقاتي الذي كان في أوج تصوير نفسه على أنه يحقق إنجازات حتى كتب بعض الإعلام الذي يموله رئيس الحكومة ما كان عنوانه "ميقاتي يهزم نصر الله".
وبمعزل عن إعتبار ما حصل بمثابة "رد إعتبار" لعون، القصة ليست هنا، لأن مئة قرار على شاكلة قرار "تصحيح الأجور" لن يرد أي اعتبار لعون. فهو وميقاتي والرئيس نبيه بري في "خندق واحد" تحت أمرة المقاومة وليس معها.
وبمعزل عن اعتبار ما حصل بمثابة "رد إجر" من "حزب الله" لميقاتي جراء تمويله المحكمة، القصة أن "الرسالة السياسية" التي لا يبدو أن ميقاتي قرأها جيداً مفادها أن "حزب الله" أعاد تصويب البوصلة بأنه "صاحب القرار"، وبأنه حين يقرر ما على الآخرين سوى "التبعية"، وهذا الأمر الذي لا يستطيع الرئيس بري أن "يتشاطر" عليه، بدليل "مفاخرة" معاونه السياسي الوزير علي حسن خليل بأنه "عراب" الإتفاق الخطي بين الاتحاد العمالي العام والهيئات الاقتصادية، لكنه ما لبث، في مفارقة غريبة عجيبة، أن "لحس المبرد" وصوّت ضد الإتفاق الذي كان عرابه.
ولا شك أن ما سبق ذكره يُرتب، بحسب مصادر نيابية في المعارضة، مسؤولية كبيرة على رئيس الجمهورية ميشال سليمان بصفته رأس الدولة، وعليه ان يقوم بدوره قبل أن يغرق المركب، بعيداً عن "تبويس اللحى" وسياسة الاسترضاء. وقبل ذلك، فليتأكد من أن الوزراء المحسوبين عليه إلى جانبه فعلاً، فوزير الداخلية مروان شربل لم يكن إلى جانبه في "تصحيح الأجور"، ما أثار مخاوف مصادر سياسية "من أن يكون مروان شربل، عدنان السيد حسين، الجديد؟".
الخلاصة، أن "حزب الله" حين يقرر أن يأكل العنب، لا يقتل الناطور، وهذا ما يفعله اليوم بالتحديد. "حزب الله" وبعد خطب نصر الله الأخيرة اتخذ قراره في الداخل، بأن فترة السماح انتهت، وبأن فترة الانقضاض على الدولة قد بدأت فعلياً وليس "مبدئياً"، وتحت ستار "الديموقراطية" وما على ميقاتي إلا أن يكون "باش كاتب".
على أي حال، الثلج يذوب عن حكومة "التكاذب الوطني"، مهما اجتهد ميقاتي في التبرير، لن ينجح في إقناع الرأي العام بأنه رئيس حكومة "كلنا للوطن"، بل "كلنا على الوطن"، ولن ينجح في إقناعهم "بريء" من "وسطية" ارتضت أن تكون "وسيلة رخيصة" لتقويض الدولة ومؤسساتها. وما حصل ليس إلا "بروفة" قبل التعيينات، والآتي أعظم.