شكّلت جلسة مجلس الوزراء مفاجأة سياسيّة، إذ لم يكن أحد يتوقّع أن يردّ «حزب الله» على التمويل بمفعول رجعيّ ومن باب الأجور بالذات، ما ضرب صدقيّة الحزب بفعل تصويته حينا مع مشروع رئيس الحكومة وحينا آخر مع مشروع وزير العمل.
يختصر توصيف الرئيس نجيب ميقاتي التصويت الذي حصل بأنه "كان تصويتاً سياسيّاً"كلّ المشهد السياسي لجهة أنّ الحزب حسم أمره من كونه ضابط إيقاع الحكومة وتوازناتها إلى تبديته التحالف مع عون على أيّ اعتبار آخر، وهو بات يتعاطى مع ميقاتي على غرار تعاطيه مع الرئيس سعد الحريري، أي ليس من باب الحليف الذي كان وراء إيصاله إلى هذا الموقع، إنّما من باب الخصومة أو العداء الذي يستوجب تدجينه أو إسقاطه.
وقد اضطرّ الحزب في نهاية المطاف لاستخدام كلّ أوراقه في إظهار ما كان يحاول إخفاءه بأنّ هذه الحكومة هي حكومة "حزب الله"، لأنّ التصويت محسوم لمصلحته وهو ممسك بزمام الأمور وقواعد اللعبة داخلها، وهذا ما يفسّر دعوات أمين عام الحزب المتكرّرة لرئيس الحكومة من أجل طرح موضوع التمويل على مجلس الوزراء، الأمر الذي أصرّ ميقاتي على تجنّبه لمعرفته بطبيعة التوازنات داخل هذا المجلس.
كما أنّ التصويت مع عون ضدّ ميقاتي جاء ليسقط أيّ رهان على كتلة وسطيّة تضمّ الرؤساء الثلاثة زائد النائب وليد جنبلاط، فدور الرئيس نبيه برّي يتّسع هامشه ويضيق تبعاً لموقف الحزب، إنّما عندما حسم الأخير موقفه اضطرّ برّي تحت عنوان "وحدة الطائفة" التموضع إلى جانبه، بمعزل عمّا إذا كان هذا التموضع عن قناعة أو على قاعدة "مُكرهاً أخاك لا بطل".
أمّا رئيس الجمهورية، فصوّت الوزير مروان شربل المحسوب عليه ضدّ رئيس الحكومة، فيما تغيّب الوزير ناظم الخوري. كما أنّ الوزير وائل أبو فاعور امتنع عن التصويت، في ما يمكن اعتباره رسالة جنبلاطيّة برفض الكسر مع الحزب بشكل نهائي.
ولكن الرسالة الأساسيّة التي أراد الحزب إيصالها أنّ القرار السياسي للحكومة موجود في الضاحية حصرا، غير أنّ السؤال الذي يطرح نفسه: ما الأسباب التي دفعت "حزب الله" إلى كسر "الجرّة" مع ميقاتي؟ وهل لهذه الخطوة بتوقيتها علاقة بالانسحاب الأميركي من العراق وانتقال "المحور الممانع" من الدفاع إلى الهجوم، من استهداف سنّة العراق ومحاولة الرئيس السوري الحسم، وهذا ما تظهره أعداد الضحايا، وصولا إلى إعادة إمساك الحزب بزمام المبادرة مجدّدا؟ أم أنّ لخطوته مبرّرات لبنانية صِرف لها علاقة بالتحالف مع عون الذي كاد يسقط وتسقط معه الحكومة؟
لقد بدّى الحزب في نهاية المطاف تحالفه مع عون على تحالفه مع ميقاتي، وذلك لجملة أسباب أهمّها أنّ عون لم ينكث يوما بوعوده والتزاماته حيال الحزب، فكان منفّذاً أميناً لمشيئته ورغباته، خلافا لرئيس الحكومة الذي لم يكتفِ بالتمويل وتوفير التغطية لكلّ الرموز السنّية في الإدارة، بل أسقط المقايضة التي وضعها السيّد نصرالله برفضه التجاوب مع "مطالب عون المحقّة". كما أنّ الحزب ليس بوارد التفريط بحليف مسيحيّ لا يمكن تعويضه، في الوقت الذي لم يثبت التحالف مع ميقاتي جدواه.
إنّ إعادة توثيق العلاقة والتفاهم بين الحزب وعون حصلت في ظلّ تراجع العلاقة إلى حدودها الدنيا بين الحزب وميقاتي والذي ردّ له "ضربة التمويل" عبر الأجور بمفعول رجعي. ولكن لا يبدو أنّ مفاعيل هذا التصويت ستقتصر على هذا الحدّ، إنّما سيكون لها تداعيات على مستقبل العمل الحكومي الذي بات فعليّا هذه المرة في مرحلة تصريف الأعمال، إذ إنّ ميقاتي لن "ينام" على هذا الانقلاب، وهو سيردّ بطريقته وفي الوقت المناسب، ولعلّ أقرب فرصة للردّ ستكون التعيينات الإدارية التي يمكن اعتبارها من هذه اللحظة أنّها باتت مجمّدة حتى إشعار آخر. لا شكّ أنّ الكرة اليوم باتت في ملعب رئيس الحكومة، وهو واقع بين خيارين لا ثالث لهما، إمّا التكيّف مع المعادلة الجديدة، ما يعني تطويقه وتهميشه وخسارته كلّ ما راكمه بفعل التمويل وتصدّيه لعون، أو الاستقالة، ومن يلوّح بفكرة الاستقالة التزاما بالتمويل حرصاً على دوره داخل بيئته وعلاقاته العربية والغربية، لن يتوانى عن التهديد بهذه الورقة مجدّدا، لأنّه سيتحوّل من الآن وصاعدا إلى الحلقة الأضعف داخل الحكومة، إذ إنّ الحزب يتّجه لطرح كلّ المواضيع على التصويت داخل مجلس الوزراء، الأمر الذي يحوّله إلى مجرّد "شاهد زور، وهذا ما لا يمكن أن يرتضيه ميقاتي لنفسه أوّلا، ومن ثمّ لطائفته وموقع رئاسة الحكومة.
ولكن "حزب الله" الذي اختبر ميقاتي وردود فعله وحدود تنازلاته، ويعلم جيّدا أنّ "حشره" يعني دفعه إلى الاستقالة، بدأ يلعب "صولد" مع رئيس الحكومة: إمّا معنا أو ضدّنا، وبالتالي غير آبه لبقاء الحكومة أو سقوطها، فإمّا تكون هذه الحكومة حكومة "حزب الله"- سوريا بالفعل، أي بشروطه ومواصفاته وأجندته، أو لا تكون…
ومن هنا، يمكن القول إنّ العدّ العكسيّ للحكومة قد بدأ…
