اشارت صحيفة "السفير" الى ان بعض زوار واشنطن من اللبنانيين يسمعون توقعات أميركية تجزم أن إزاحة بشار الاسد لن تتم الشهر الحالي أو الذي يليه أو حتى خلال أشهر، ومع ذلك فالقرار بإزاحته لا رجعة عنه.
وهذا لا يعني أن الادارة الاميركية قررت المواجهة بكل ما تملك من قوة. أسلحتها لهذه المعركة مختارة بدقة: الكثير من المواقف السياسية الداعمة للمعارضة السورية والنافية الشرعية عن النظام، استعداد للدفع باتجاه قرارات أممية غير عسكرية، رهان مطلق على سلاح العقوبات الاقتصادية، الذي لا بد أن يؤتي ثماره على قاعدة كلما طال الوقت كلما انخفضت قدرة النظام على الصمود.
في هذا السياق، ثمة رهان أميركي جدي على بدء انهيار حلقة رجال الاعمال التي تحمي النظام، والتي لن تتأخر عن إطلاق صرختها، نتيجة الخسائر الضخمة التي تمنى بها من جراء العقوبات الغربية تحديداً. مراكز الأبحاث الأميركية تقدر حاجة النظام السوري إلى مليار دولار شهرياً لتغطية نفقاته الإدارية ورواتب الموظفين. تتوقع هذه المراكز المقربة من الإدارة أن يبدأ النظام في المرحلة المقبلة بمواجهة صعوبات حقيقية في تأمين هذا المبلغ، مقابل عدم قدرة إيران على تغطية العجز المالي السوري.
لن يستطيع زائر واشنطن أن يسمع تصوراً أميركياً لمدى قدرة النظام السوري على البقاء إلا بعد تحقق هذه الشروط. وحتى ذلك الحين فإن التركيز ينصب على لحظة سقوط النظام، حتى أنه نقل عن أحد أعضاء مجلس الشيوخ إشارته إلى أن «أميركا لا تكترث حتى لما سيجري بعد ذلك بخمس دقائق.
وهذه العبارة التي يراد منها التأكيد أن قرار إسقاط النظام لا رجعة عنه مهما كان الثمن، لا يعني أن الإدارة الأميركية غير مهتمة بما بعد النظام، وهي منذ الآن بدأت تعرب عن خشيتها على مصير أسلحة الدمار الشامل، إن وجدت، متخوفة من انتقالها إلى جهات معادية.
الحل العسكري مستبعد بالنسبة للأميركيين والرهان الفرنسي على انقلاب من الداخل لا يقنع واشنطن، تماماً كما لا يجد استجداء المجلس الوطني السوري تدخلاً أميركياً ولو لمجرد "خلق آليات لحماية المدنيين" أو "إسماع النظام السوري أن كل الخيارات مفتوحة من أجل تأمين حماية المدنيين" رداً مطمئناً للمجلس، بل مجرد تأكيد من وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون "أننا سنستمر في التشاور مع أصدقائنا لإيجاد حل قانوني يتيح إيصال المساعدات".
وينقل بعض زوار واشنطن عن الأميركيين قولهم إن ما تقوم به الادارة الاميركية حالياً هو «خدمة لحلفائها في المنطقة، الذين لم يعودوا قادرين على تحمل حكم بشار الأسد الذي أغلق كل الأبواب التي كان فتحها والده مع الخليج وتحديداً مع السعودية». ولكن أن تبيع أميركا موقفاً لحلفائها العرب لا يعني أن لا ثأر أميركياً مع السوريين، فواشنطن لم تنس لدمشق دورها «السلبي» في العراق. ثمة من يعتبر أن معركة إسقاط النظام في سوريا قد تكون تعويضاً معنوياً عن المشكلة الكبيرة التي يواجهها الأميركيون حالياً في العراق والتي كانت نتيجتها أن دفعوا تريليون دولار لتسليم البلاد لعدوهم الأول (إيران).
لا يستوي حديث الأميركيين عن سوريا إلا بربطه بإيران و«حزب الله». وعلى الرغم من اقتناعهم أن بشار الاسد لا يفاوض تحت الضغط إلا أنهم يؤكدون أن التهويل بأوراق يملكها النظام السوري هو أمر غير واقعي بعدما «سلم كل أوراقه لإيران منذ التحق بها وبسياستها الخارجية». وعليه، فإن الوقائع تؤكد أن العراق لم يعد ورقة بيد السوري، كما أن الأميركي لن يخسر بعد الانسحاب أكثر مما خسره قبله.
يعتقد الأميركيون أن ما يحصل في سوريا يساهم في إضعاف حزب الله وبالتالي فهو لن تكون له القدرة على دعم دمشق، أضف إلى أنه لا إشارات عن تسلح أو تحركات استثنائية يقوم بها الحزب. وانطلاقاً من هذه الرؤية، فإن ازدياد الضغوط على سوريا لم يؤد إلا إلى «مزيد من التضعضع في صفوف حزب الله.
أمام هذا الواقع لا تجد التحليلات الأميركية أي احتمالات جدية لرد سوري يؤدي إلى فتح جبهة مع إسرائيل، كما تجزم أن «محاولات التهويل السوري عبر المناورات العسكرية لم تؤد إلى زعزعة القناعة الاسرائيلية بأن زمن بشار الاسد لا بد أن ينتهي». وهذه القناعة التي ترسخت منذ أشهر نتجت، بحسب الأميركيين، عن مراجعة إسرائيلية للسنوات العشر الاخيرة من الصراع مع سوريا، أوصلت قيادتها إلى خلاصة تفيد أن نظام بشار الأسد كان الأكثر ضرراً على مصالحنا في المنطقة ومن يأتي من بعده لا بد أن يكون أفضل منه.
كل ما سبق يؤكد أن الهواجس الأميركية من مرحلة ما بعد بشار الاسد تكاد تتلاشى، على الرغم من الحرص على إظهار القلق على الاقليات. هذا ما ركزت عليه وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون في لقائها أعضاء المجلس الوطني السوري، حيث دعتهم لعدم نسيان الاقليات بعد النظام.