بعَيد تأليف حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، ارتفعت أصوات أعضائها مطالبين بإنجاز التعيينات سريعا لدفع عجلة العمل الاداري في البلد، وهذا الشيء لم يحصل حتى الان
اعترف الرئيس ميقاتي مراراً أن الحكومة تأخرت في إجراء التعيينات، ووعد بإبعادها عن المحاصصة والمحسوبيات، مع مراعاة مقتضيات الوفاق الوطني وحقوق "الطوائف"، ولكن الأفرقاء السياسيين لم يفسحوا في المجال لتحقيق ما وعد به نتيجة التناحر السياسي وعدم التوافق على بَت مسألة التعيينات.
لماذا لم تبت مسألة التعيينات حتى اليوم ؟
أوساط بعبدا تكشف أن رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ورئيس تكتل "التغيير والإصلاح" النائب ميشال عون اتفقا في لقائهما الأخير على البت في مسألة التعيينات بعد رأس السنة مباشرةً، وعلى المضي حاليّا في التعيينات المتفق عليها.
أما استمرار الخلاف على تعيين رئيس مجلس القضاء الأعلى، فمَتروك لمساعي البطريرك مار بشارة بطرس الراعي الذي يعمل حالياً على تقريب وجهات النظر بين الطرفين، بهدف إبعاد الساحة المسيحية عن التوتر والخلافات. وتلفت الأوساط الى وجود "نافذة بين الطرفين في توافقهما على مرشح للمنصب ما دام التعيين يتطلّب ثلثي مجلس الوزراء، الأمر الذي لا يتوافر لأيّ منهما، وتدور في هذا الاطار مفاوضات جدية للاتفاق على إبعاد كل من القاضيين أليس شبطيني وطنّوس مشلب، وعرض أسماء قضاة آخرين على التصويت داخل مجلس الوزراء، بناء على معايير مهنية وشروط قانونية، ومن هذه الأسماء القاضي أنطوان ضاهر والقاضية ميشلين بريدي والقاضي جان فهد.
ويبدو، تِبعاً للأوساط عينها، أن القاضية شبطيني خرجت من سباق التنافس على رئاسة مجلس القضاء الأعلى، وأن سليمان في صدد البحث في اسم آخر سواها، بعد الضجة التي تسبّبت بها قرارات محكمة التمييز العسكرية التي ترأسها بإطلاق متهمين بالتعامل مع إسرائيل، ما أثار ردة فعل عارمة لدى "حزب الله" وحركة "أمل"، حيث أبلغا رئيس الجمهورية أنّ هناك فيتو في الشكل على القاضية شبطيني.
وتؤكد الأوساط أن السبب الرئيسي في تأخير التعيينات هو العناد المتأصّل في جنرال الرابية الذي يعتبر أنه يجب أن يكون "جوكر التعيينات المسيحية" وفقاً لحصّته داخل الحكومة"، وتلفت إلى أن "المشكلة محصورة في عدم توافق عون – سليمان، ما جعل ميقاتي مُحرجا من وعوده المتكرّرة ببَتّ هذا الملف قريبا، لأنّ سليمان وعون يخوضان أشرس معركة بينهما في التعيينات، لكن "العمادَين" خاضا معركة سياسيّة عند تأليف حكومة ميقاتي بالتحديد، وحُلّت هذه الأزمة عندما وُجد قرارٌ سياسي بحلّها، ما يوحي أن هناك قرارا حاليّا بحلّ مشكلة التعيينات تحت شعار التوافق السياسي عليها.
الأوساط عينها تفيد أن سليمان يعتبر أن "عون خسر الكثير من شعبيّته في الشارع المسيحي، ومطالبته اليوم بحصّة الاسد في التعيينات لا تتطابق مع هذا الواقع، وهو متأكد أنّ الحجم السياسي والعددي المسيحي الذي يروّج له لا ينسجم مع رغبته باحتلال غالبيّة المناصب العائدة للمسيحيّين".
وتؤكد الأوساط أن "ميقاتي سيَقف إلى جانب رئيس الجمهورية في التعيينات الإدارية في مواجهة عون، ويؤيّد مرشحيه للمناصب التي يطلبها الرئيس من حصته، بما فيها تعيين رئيس جديد لمجلس القضاء الأعلى"، مشيرةً الى أن ميقاتي "غير مستعد للموافقة على كل ما يطلبه وزراء تكتل "التغيير والإصلاح"، نظرا إلى اعتقاده بأنّ عون يريد في مجلس الوزراء حجما لا يلائم موقعه السياسي والتمثيلي، فضلا عن تعمّده وبعض وزرائه من حين إلى آخر التعرّض لصلاحيات رئيس الحكومة تارة وموقعه تارة اخرى".
وتشير الأوساط في هذا الصدد الى أنه على رغم موقف "حزب الله" الواضح بالتدخّل حصرا في ما يتعلّق بتعيينات الطائفة الشيعيّة، وتَرك الرئيس ميقاتي يدَوزن تعيينات الطائفة السنيّة بالتنسيق مع حلفائه في الشمال وخارجه، إضافة الى مراعاة طلبات الرئيس فؤاد السنيورة، فإنّ "حزب الله" كان حريصا أيضا بإطلاق يَد عون في ورشة التعيينات المسيحيّة، وإعطاء الكلمة الفصل له تعويضا عن الخَضّة التي تعرّض لها الثنائيين داخل مجلس الوزراء أثناء البحث في مشروع شربل نحاس لتصحيح الأجور، اضافة الى أنّ الحزب قدّم في هذا الخصوص وعودا وضمانات للعماد عون في الضغط على الرئيس نبيه بري في موضوع التعيينات.
ولكن الأوساط لا تخفي أن هناك فريقا من داخل الحكومة وخارجها يتوَجّس من واقع حصول تغيير "انقلابي" داخل الادارة بقيادة مباشرة من ميشال عون، فيصبح بديلا عن الفريق المسيحي الذي اختاره السوري في ذلك الوقت.