تجري دائرة عمليات حفظ السلام في الأمم المتحدة مراجعة استراتيجية لقوّات اليونيفيل العاملة في جنوب لبنان، بعد مرور ستة أعوام على حرب تمّوز- آب 2006، من دون أن يكون لهذه المراجعة أي علاقة بعمليات إطلاق الصواريخ في المنطقة، أو بالإعتداء الذي طال في التاسع من كانون الأول الجاري دورية فرنسية تابعة للكتيبة العاملة ضمن القوة الدولية. وهذه الاستراتيجية التي يُشارك فيها لبنان، كون اليونيفيل تقوم بمهمتها على أرضه، تهدف الى تحديد سبل التقدّم في تطبيق القرار 1701، والى الأخذ في الإعتبار على نحو أفضل تطوّر الوضع في منطقة انتشار القوّات المسلّحة جنوب الليطاني.
فما الذي ستتضمّنه هذه المراجعة، وهل تهدف الى تخفيض عدد قوّات اليونيفيل وصولاً الى انسحابها نهائياً من جنوب لبنان؟ مصدر ديبلوماسي مطلع قال إنّ مراجعة استراتيجية وحوار استراتيجي حصل بين الجيش اللبناني واليونيفيل خلال اجتماع ضمّ الفريقين في وزارة الدفاع، ويؤمل أن تؤدي هذه المراجعة الى تفعيل آليات تنفيذ القرار 1701 والمهمة التي يقومون بها. وبالتالي سوف تُستكمل في الأمم المتحدة من الآن وحتى نهاية العام الحالي أو أكثر بقليل الى أن يتمّ تعيين خلف لقائد القوة الدولية الجنرال ألبرتو آسارتا، ولكي تتمّ مشاركة الجنرال الجديد بتفاصيل وحيثيات هذه المراجعة، علماً أنّ مهمة آسارتا تنتهي في أواخر كانون الثاني من العام الجديد 2012.
وأكّد المصدر أنّ مدير دائرة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في وزارة الشؤون الخارجية والأوروبية نيكولا دو ريفيير الذي زار الى لبنان خلال اليوميين الماضيين والتقى خلالها المسؤولين السياسيين، لم يبلّغ أي منهم عن أي تبديل في عديد الكتيبة الفرنسية العاملة ضمن قوّات الطوارىء، وأنّ الرسالة التي نقلها الى المسؤولين هي نفسها تلك التي أدلى بها وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه إثر الإعتداء الأخير على الجنود الفرنسيين، وفحواها أنّ فرنسا ملتزمة بقوات اليونيفيل وبدورها المساعد في حفظ السلام في جنوب لبنان والمنطقة.
ومن هنا، لا يُخشى من خفض دراماتيكي لعديد قوّات اليونيفيل، وإن قرّرت فرنسا لاحقاً سحب بعض الجنود من كتيبتها لأسباب قد تكون مالية واقتصادية أكثر منها سياسية، على نحو ما فعلت إيطاليا في وقت سابق، لا سيما وأنّ القرار 1701 نصّ على إمكانية وصول عديد القوة الى 15000 جندي، على أن لا يقلّ عن 12000 لكي تتمكّن هذه القوّات من ضبط الوضع في منطقة الليطاني بالشكل المناسب. وأوضح أنّ كلّ خفض من دولة مشاركة في اليونيفيل لا بدّ وأن يقابلها زيادة عديد دولة أخرى عاملة فيها.
وعن تفاقم الأحداث عند الحدود الجنوبية خلال الأسابيع الأخيرة ما يدلّ على أنّ الأمن غير ممسوك جيداً من قبل «اليونيفيل»، أو أنّ هناك جهات معينة تريد الإيحاء بذلك، أشار المصدر الى أنّ أي شخص يستطيع وضع صاروخ ما وتوقيت إنطلاقه لا سيما وأنّ إطلاق الصواريخ يتمّ من مناطق معزولة عند الحدود لا تصل اليها «اليونيفيل». ثمّ أنه ليس من مكان في العالم نجد فيه أنّ الأمن مضبوط مئة في المئة، خصوصاً إذا ما قصد المخرّبون العبث بالأمن. ورأى في توتير الوضع الأمني جنوباً، محاولة للضغط على قوّات الطوارىء لكي تسحب بعض الدول جنودها منها، مشدّداً على أنّ تخفيض أو زيادة عديد «اليونيفيل» لا يؤثّر على مهامها التي نصّ عليها القرار الدولي.
وعن تأكيد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في رسالته الى مجلس الأمن التي أوصى بها التجديد للقوة الدولية العاملة في الجنوب اليونيفيل مدة 12 شهراً حتى 31 آب 2012، «أنّ الهدف البعيد المدى لليونيفيل هو التحويل التدريجي للمسؤوليات التي تتحملها القوة حالياً، في البرّ والبحر الى الجيش اللبناني الذي يفترض أن يكون متمكناً في فرض سيطرته الأمنية الفاعلة في منطقة عمليات اليونيفيل والمياه الاقليمية اللبنانية، التزاماً بالقرار 1701/2006»، شدّد المصدر على أنّ هذا الهدف لا يتناسب مع المرحلة الحالية، إذ لا مجال حالياً لتحويل مسؤوليات «اليونيفيل» كاملة الى الجيش اللبناني، أولاً، لأنّ القوة الدولية باقية في منطقة الليطاني الى أن تنهي المهام المكلّفة بها دولياً، وثانياً، لأن الجيش لا يمكنه أن يبقى وحيداً في مواجهة العدو عند الحدود.
وإذ نفى أن يكون اقتراح انسحاب اليونيفيل نهائياً من جنوب لبنان قيد الدراسة في سياق المراجعة الاستراتيجية الجارية في نيويورك للقرار 1701 ولمهمة اليونيفيل المعزّزة، أكّدت بعض المعلومات أنّ النقاش في كواليس الأمم المتحدة يدور حول إجراء حوار استراتيجي لتمكين القوّات المسلّحة اللبنانية (أي الجيش اللبناني) من البدء في تولّي قدر أكبر من المسؤوليات الأمنية المنبثقة من القرار 1701، ولتسهيل نقل المسؤوليات تدريجاً من اليونيفيل الى الجيش، وأنّ مثل هذا الإقتراح كان مطروحاً سابقاً، وقد يكون الإعتداء الأخير على الدورية الفرنسية في صور، قد أعاد وضعه على الطاولة بعد تجاوزه في السنوات الماضية.
ويمكن القول إنّ الأحداث الأخيرة في الجنوب كشفت عن وجود أسلحة وعناصر مسلّحة في منطقة عمليات «اليونيفيل» لا تعلم هي بها، ولا الجيش اللبناني، ما يجعل القلق يتزايد حول إمكانية توتير الأمن من الجهة التي لا تزال مجهولة رغم التحقيقات التي تجري في المنطقة، في أي لحظة تشاء هي. وهذا الأمر يُشكل انتهاكاً لأحد بنود القرار 1701، ولهذا فإنّ الحوادث الأخيرة التي حصلت في الجنوب، تأخذها قيادات عسكرية في الدول المشاركة في اليونيفيل لا سيما منها الأوروبية على محمل الجدّ، وهي تضغط لدى المسؤولين السياسيين في بلادها بوجوب أخذها بالإعتبار من أجل مراجعة مبدأ وجودها في الجنوب، خصوصاً وأنّ القوة الدولية جاءت للمساعدة على حفظ الأمن والسلم الدوليين في المنطقة، لا لأنّ تكون هي الهدف الأساسي للإعتداءات الإرهابية