
(الرئيس الهندوراسي بورفيريو لوبا سوسا أثناء حملته الانتخابية الرئاسية)
كتب محسن أ. يميّن في صحيفة "النهار":
لم يحدث أن انتخب متحدّر من أصل لبناني رئيساً لإحدى جمهوريات العالم، ومرّ انتخابه من دون أي صدى يُذكر في لبنان، كما حصل مع الرئيس الهندوراسي بورفيريو لوبا سوسا Porfirio Loba Sosa الذي شرع في ممارسة الحكم في 27 كانون الأول 2010، وبقي بعضه اللبناني، من جهة أمه روزا ابنة زخيا أنطونيوس زخيا الدويهي، مجهولاً، ومعتماً عليه في الإعلام، طيلة ما يناهز السنتين.
حتى الذين يطالعون سيرته على موقع الويكيبيديا (الموسوعة الحرّة) قد لا يقعون على ما يفيدهم في هذا الشأن. ولكان الأمر بقي في الظلّ مدة أطول لو لم تبادر سيدة هندوراسية إلى إرسال وثائق مستنسخة (وصية لدى كاتب عدل هوندوراسي منظمة العام 1931، شهادة جنسية كمحمي فرنسي مؤرخة العام 1928، وإفادة وفاة في 1936) جميعها عائدة لجده الإهدني وتثبت تحدّره. وقد أرسلت الوثائق الثلاث، مرفقة بصورة فوتوغرافية سيأتي ذكرها، إلى جهة رسمية لبنانية، لتحوّل، من ثمّ، إلى زغرتا حيث بَلَغَتنا، باللغة العربية مترجمةً في بيروت، ترجمة مطابقة لنصوص المستندات باللغة الإسبانية من طريق نسيبَيْه سليم رزق فرنجية (عضو لجنة أوقاف إهدن – زغرتا) وميلاد هاني زخيا الدويهي اللذين يعود إليهما وبفضل التحقّق الميداني من صحة الأمر في الأوساط العائلية المعمّرة، وفضل مراجعة السجلات الكنسية، والمراجع التاريخية المحلّية، أي سجلات العماد الخاصة برعية إهدن – زغرتا، سجل الإحصاء العثماني لسنة 1913 المحفوظ في مأمورية نفوس زغرتا، و"تاريخ الأسر الإهدنية" للمؤرخ سمعان خازن.
جدّه الإهدني
ويبدو أن زخيا، جدّ رئيس الهندوراس الحالي، هو وفق سجلات العماد المومأ إليها (سجل رقم 1 صفحة 58 عدد 333)، وكتاب خازن، هو إبن انطانيوس زخيا الدويهي وورده يوسف يزبك كرم. ولد في 21 تموز 1866، وعُمّد في 31 تموز سنة 1866، على يد الكاهن يوحنا سعاده في كنيسة مار جرجس – إهدن. وكان العرّاب الكاهن إسطفان شلهوب، والعرّابة مريم إبنة الكاهن إسطفان شلهوب.
وهو، أي زخيا، ثالث أبناء انطانيوس الذكور بعد رومانوس واسطفان، لكنه يكبر شقيقتيْه تراز (زوجة سمعان جرجس الجرّ الدويهي) ومنتورة (زوجة نعمة الرهبان). وقد اقترن زخيا بمنتورة سليمان دوميط فرنجية. ولم تلبث جرثومة الهجرة أن أدركته عريساً، أو بعدئذٍ بقليل، ولم يكن قد رُزق بعد أولاداً، لتُلقي به في مدينة سبرنغفيلد ماس، في ولاية ماساشوستش الأميركية، ليس بمحض الصدفة بالطبع على غرار ما كان يحصل مع العديد من روّاد هجرتنا، إنّما لأن هذه المدينة الأميركية الواقعة في منطقة نيو إنغلند على الساحل الشرقي للولايات المتحدة، هي التي كانت محطّ رحال المهاجرين الإهدنيين الأول. بحيث راحت جريدة "صدى الشمال" (لمؤسسها المحامي فريد أنطون) تصفها لدى ظهورها في منتصف عشرينات القرن الماضي بزغرتا الثانية. فقد كان المهاجر يجتذب المهاجر من أبناء منطقته، أو يرسل طالباً عائلته التي تركها في وطنه الأم، ويذوب اشتياقاً إليها، ويحضّ الذين يعنيه أمرهم على اقتفاء أثره، طلباً لحياة أفضل. في ما يشبه أو يذكّر بحمى الهجمة الأميركية على الذهب وفقاً لما أوردته مؤرخة الهجرة أليكسا نف Alixa Naff في كتابها "المغتربون" (تجربة الهجرة الباكرة إلى أميركا). خلافاً لزخيا الدويهي الذي يسترعيك في تجربته أنه ذهب إلى غير عودة، وأنه لم يرسل يوماً في طلب زوجته منتورة.
وهناك، لا بدّ من أن يكون زخيا قد اشتغل، في أول أمره، بائعاً جوّالاً، أسوة بسائر المهاجرين القدامى الذين وضعوا أقدامهم على الأراضي الأميركية، قبل أن يحدث ما يجعله يعقد العزم على مغادرة أميركا الشمالية ليستقر في وسط أميركا الوسطى، في جمهورية هندوراس الإسبانية المعروفة قديماً بهذه التسمية للتفريق بينها وبين هندوراس البريطانية التي يطلق عليها إسم بليز فكان ذلك العام 1890 على ما تشير إليه المستندات.
وعندما أجري الإحصاء العثماني في زغرتا العام 1913، وكانت الهجرة قد بلغت أوجها عامذاك، أُدرج إسم زخيا في السجل العثماني. وقد ورد عنه أنه ولد سنة 1863. فكان هذا الخطأ الأول لولادته قبل ثلاث سنوات على ما تقدّم، وأنه يبلغ من العمر خمسين عاماً، وكان هذا الخطأ الثاني، لخطأ حسابي، وأنه موجود في أميركا، فكان هذا الخطأ الثالث، لأنه كان قد بارحها إلى وجهة لم يعلم بها ذووه إلاّ بعد انقضاء مدة على وجوده في الهندوراس. وتحديداً في مدينة "بونيتو أورينتال"، مقاطعة كولون. كما كان قد تزوّج، عام 1904، وفق ما يستنتج من الوثائق، زيجة ثانية، من كارميندا هرنانديز. وبات يُعرف في البلد الثاني المضيف باسم آخر: خوان سوسا، بدلاً من زخيا الدويهي.
وحين توجه إلى مرفأ تروخيللو قاصداً المحامي وكاتب العدل ليوناردو دو البياسكاس كي ينظم له وصية مفتوحة مؤرخة قي 16/4/1931 كان قد أمضى سبعة وعشرين عاماً مع زوجته الثانية كارميندا، منجباً منها عشرة أولاد هم على التوالي: روزا (والدة رئيس الجمهورية الحالي)، خوان، سيسيليا، أودالينا، سيلستينا، مارغريتا، ألما، سعيد، ألفونسو وكارين.
ولم ترشح عبر شبكة الإنترنت، من الألبومات العائلية في الهندواس، سوى صورة فوتوغرافية واحدة تُمثّل زخيا مع زوجته الثانية، جلوساً، في لقطة عائلية تذكارية تضم جميع أفراد أسرته، ما خلا الصغيرة كارين التي لم تكن قد ولدت بعد، على ما يبدو. وتظهر في هذه الصورة ابنته البكر روزا، وراء والدتها في الصفّ الثاني بفستان أسود.
أما شهادة الجنسية الممنوحة لزخيا، العام 1928، ومن الوكيل القنصلي الفرنسي في الهندوراس، فقد استحصل عليها إثباتاً منه لجنسيته كلبناني مولود في إهدن، إنما كـ "محمي فرنسي" لأن القنصليات الفرنسية كانت، في ذلك الحين، تحرر الإفادات بشهادات الجنسية للبنانيين لخضوع بلادهم للانتداب الفرنسي وكان ذلك جزءاً من الحيرة التي كانت تثيرها هوية المهاجرين السوريين الأوائل، وتعكسها الصحف والمجلات، وفق "اليكسا نف"، وقد عرفوا بالسوريين حتى نهاية الإمبراطورية العثمانية قبل أن تُعطى لهم في العشرينات من القرن العشرين عبارة اللبنانيين.
وقد توفي زخيا الدويهي في 25 تموز 1936، في تمام الثالثة صباحاً، وفقاً لشهادة سلفادور هودو، وهو تاجر فلسطيني كان يقيم في جواره. بعدما عين، في وصيته، ابنته روزا ولية أمر على أولاده الذين ما زالوا قاصرين، وحافظة للممتلكات العائدة إليهم.

(المغترب الاهدني زخيا الدويهي في صورة مع أفراد أسرته وتبدو ابنته البكر روزا (والدة الرئيس) في الصف الثاني خلف أمها)
الرئيس
وفي الهندوراس الإسبانية هذه حيث غالب السكان من عناصر المستيز، وهم خليط من البيض والهنود والأصول الأوروبية، وحيث تعيش جالية فلسطينية كبيرة معظمها من الطوائف المسيحية، أتوا إلى البلد في القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين، ولد الرئيس الهندوراسي الحالي بورفيريو لوبو سوسا في 22 كانون الأول السنة 1947، حفيد مهاجرنا الإهدني، وهو يحمل شهرة والده أي لوبو، وشهرة والدته روزا، أي سوسا، على ما معمول به في دول أميركا اللاتينية، ودول أميركا الوسطى. أما هو، فمعروف شخصياً بـ"بيبي لوبو" Pepe Lobo . وهو أساساً ملاّك، في بلد يعتمد على الزراعة إلى حدّ بعيد (بن، موز، تربية المواشي). دخل ميدان السياسة باكراً منذ عامه التاسع عشر منخرطاً في صفوف الحزب الوطني الهندوراسي. وحين اندلعت الحرب التي عرفت بحرب كرة القدم بين بلاده الهندوراس وبين السلفادور خلال تصفيات كأس العالم لدورة المكسيك، سنة 1970، لم يكن قد بلغ مقاعد الكونغرس الهندوراسي بعد. ويجب الانتظار حتى العام 1990 ليكون له ذلك، وليتبعه بترؤسه للكونغرس من 2002 حتى 2006. وقد ترشح بيبي لوبو للانتخابات الرئاسية السنة 2005 ولم يحالفه الحظ، إلى أن خلف في الحكم مانويل زيلايا الذي أطاح به انقلاب عسكري، العام 2009.
أما بعد، فهذه حكاية جديدة تُضاف إلى سلسلة حكايات الهجرة اللبنانية، إنّما بشيء من التأخّر المفهوم الأسباب متى أخذنا في الاعتبار أن الروابط بين لبنان وبين المهاجرين والمتحدّرين تصل في ضعفها أحياناً إلى درجة الانقطاع التام حتى للصلات الرحمية. وحكاية الرئيس "بيبي لوبو" برهان. وإلاّ هل كان غاب نصفه اللبناني عن دوائرنا الرسمية المعنية، ونصفه الإهدني والزغرتاوي، لمزيد من التحديد، حتى عن أنسبائه طيلة المدة التي أعقبت تولّيه الحكم في بلده المضيف، بلد نشأته بوصفه من الجيل الثالث؟!
حكاية جديرة بأن تعرف، بأوسع مما تناولناه في هذه المعلومات الأوّلية، وبأفضل ممّا هي عليه، حتى الآن.
ومن المفارقة أن تكون فصولها وسطورها قد شارفت على الامّحاء، إلى حدّ إخفاء وجهٍ بلغ هذه المرتبة من الشهرة في وطنه البديل. وجه "بيبي لوبو" الذي يلوح عبر المواقع الإلكترونية مدموغاً بشمس البحر الكاريبي، بأكثر ممّا لوحت شمس إهدن وجه جدّه زخيا. فكيفك بملايين المنتشرين العاديين الذين يهدّدنا توالي الزمن، وتعاقب الأجيال، بانقطاع روابطنا بهم؟! بدل تعزيز هذه الروابط بهدف تحويلهم "لوبي" دعم دائم للبنان، في أماكن انتشارهم وتبعثرهم، نجاحهم أو تعثّرهم.

(شهادة الجنسية لـزخيا جدّ بيبي لوبو ورد فيها أنه محمي فرنسي ومولود في اهدن – لبنان)
فهل نعلّل النفس، بعد انكشاف صلة الرئيس الهندوراسي بلبنان، بقرب تحرّك الهمم الرسمية من أجل التقريب ما بينه، وبين وطن جدّه زخيا الدويهي، ووطن أمه روزا التي لم تضع قدميْها على ترابه قط؟! ومن أجل توجيه الدعوة الرسمية إليه لزيارة لبنان؟
في الانتظار، يتعيّن علينا ضمّه إلى قائمة مشاهيرنا المنتشرين وترقّب المزيد من الحكايات… والمشاهير بعد وضع قانون استعادة الجنسية اللبنانية موضع التطبيق الفعلي في القريب المنظور.