#dfp #adsense

“الثورة الثانية” مستمرة في ميدان التحرير

حجم الخط

الأحزاب التقليدية في مصر ومنها "الإخوان" وصولاً إلى "السلفيين" الجدد، "مرتاحون" جداً في صراعاتهم حول السلطة، وقطف حصاد ثورة الشباب. تحاصصوا في الانتخابات، وتبادلوا الاتهامات، ومارسوا ما مارسوا من الألعاب المشؤومة، والمشبوهة في حملاتهم الانتخابية، بما فيها تشويه "سمعة" شباب ثورة، واستخدام المال والدين في أبشع صور استغلاله. تخلوا، بكل بساطة، ومن هاجس التعطش إلى تسلم السلطة، وتقاسم "الغنائم" بما يشبه السبي، عن الذين بادأوا في إعلان ثورة 25 يناير إذ ترددوا، فانتظروا، وعندما وجدوا أن هشيم الثورة يندلع من دونهم، قرروا الاستلحاق مع بعض الأحزاب التقليدية "العريقة"، في ثورة كانوا في خلفياتها، وفي صفوفها المتفرجة.

طبعاً، كان دخولهم سياسياً لا ثورياً. ومركنتيلياً وبراغماتياً، كأنما ارادوا وبخبث متقادم ان يعتلوا ظهور هؤلاء الشباب المنتفضين والشهداء وفي طليعتهم خالد سعيد، ليستثمروا ويقطفوا ويسرقوا الثورة من أصحابها. وكلنا يذكر كيف تجمع هؤلاء "الإخوان" والأحزاب التقليدية من "الوفد" و"كفاية" وسواهما، ولبوا دعوة الرئيس المخلوع في محاولة لاستيعاب ما يجري، في حين كان الشباب في ميدان التحرير، وبور سعيد، والاسكندرية وسواها يحتلون الساحات ويعلنون زمناً جديداً، وحكماً جديداً بنظام جديد، لا عسكرة، ولا توريث، ولا قانون طوارئ، ولا فساد، أي نظام ينتخب فيه الشعبُ الحكامَ، وليس العكس، كما كان على امتداد ستة عقود، تولى فيه الحكامُ انتخابَ الشعب.كانت الملحمة تلتمع في عيون الشباب "غير المنتمين" و"المهمشين" والثوار الملتهبين بالشغف، في حين كان الذين تواطأوا مع النظام، ثم قرروا مصادرة الثورة عبر المشاركة في الثورة، يحسبون الأصوات والمقاعد والأرباح، والسلطة ليرثوا نظاماً يشبهونه، او الأحرى يشبهون نظاماً كانوا صمام أمانه، (كما قال المفكر المصري الكبير سمير أمين في مقابلة لأخبار الأدب). هؤلاء الشباب يحلمون بالمستقبل، بديموقراطية حية، بحرية تنشر هواءَها على الجميع، بوطن يتساوى فيه الجميع، بالعدالة، وبالحقوق، كان الآخرون من "الجماعة" وربيبتها "السلفية" والأحزاب التاريخية في الماضي، يريدون أن تكون الثورة نفسها مضادة للثورة.. بل يريدون أن تقتل الثورة نفسها، وتنضم إلى الارث البائد، بأقنعة جديدة، وبلغة مواربة، وبخبث مريب. كأنما أراد هؤلاء ان يعيدوا انتاج النظام بما هو أسوأ منه، مستفيدين من نقاء شباب الثورة، وصفائهم وإخلاصهم ووفائهم لأحلامهم. ولكي يلتقي هؤلاء والماضي في لحظة غادرة، تعاقدوا بما يشبه الخيانة مع نيات المجلس العسكري في "حلف" شيطاني، يعيد كل شيء إلى أسوأ مما كان: حلف العسكر والعمائم والبرانيط والفلول، فأي تحالف أردأ من هذا التحالف. وأي مؤامرة أبشع. وما زاد هذا الارتياب فوز "الإخوان" والسلفيين في الانتخابات، بسبب بسيط: ان تسريع إجراء الانتخابات من قبل المجلس العسكري وبإلحاح من الإخوان… يخدم هؤلاء لأن تاريخهم ونضالاتهم وأنشطتهم كانت "انتخابية" تحت ستار الدين، والورع ومهادنة النظام… مما جعلهم يسبقون الآخرين إلى الناخب (بالمال، والرشوة واستغلال الدين والطائفية وبعض الفضائيات التي تصب في أهدافهم أو يصبّون في أهدافها؛ في حين أن "القوى" الشبابية الجديدة عصب الثورة وعقلها وقلبها لم تكن عندها لا خبرة النفاق في الانتخابات، ولا المال ولا السلطة ولا الوسائل ولا الوسائط. لعبة غدر حبكها المجلس العسكري والأخوان.. لتقاسم الحُكم ومنع أي تغير حقيقي في بنية النظام.

أي عودة التحالف السري بين الإخوان والنظام السابق، لكن بشكل معلن وصريح. فهذه العسكرة التي شاخت في العالم كله وهذه الاتجاهات الأصولية التي هرمت وترهلت اتفقتا على وأد ما هو فتي وطازج وجديد، ومقبل: الماضي يُطبق على الحاضر والمستقبل! وماذا ترى يفعل شباب الساحات والميادين، وهم أول من أطلق شرارة الثورة؟ ماذا عسى يفعل هؤلاء. عندما يحاصرون بالعنف والتواطؤ السياسي والاتهامات والقمع: وأكثر عندما يكتشفون أن هؤلاء يريدون سرقة الثورة منهم، كمن يسرق حياتهم وآمالهم ومستقبلهم. كان أمامهم إما الانصياع وترك لصوص الثورات تنجح في قرصنتها وأن يروا ان كل ما حلموا به… يحتضر امامهم، وإما ان يقاوموا هؤلاء بالاعتصام السلمي والتظاهر والمطالبة بتسليم المجلس العسكري السلطة إلى المدنيين. وهذا كان الاختيار: مواجهة الماضي بأحلام المستقبل. وفكر الطغاة التقليديين و"الدينيين" (زوراً) بالديموقراطية: فمصر من دون حرية بعد الثورة لا تكون مصر. والمصريون الذين حرروا الشوارع وكسروا حواجز الخوف، لن يعودوا إلى الوراء. احتلوا أماكنهم الأصلية. الأماكن التي كانت محظورة على كل محتج طوال ستة عقود. الميدان الذي صار بهم أوسع من كل ميادين الأرض. صار المكان السحري، كما كانت ساحة بورقيبة في تونس، وساحة الحرية في اليمن، وساحة الشهداء في لبنان، وحمص في سوريا، وبنغازي في ليبيا. هذه الأمكنة بركةُ الثوار ولعنة الطغاة! كانت الرمز. والاشارة والبيت والطريق، والصوت والحركة، لم تعد أمكنة مصادرة أو سياحية أو تجارية، فقط صارت فضاء خصباً للتغيير، والمنصة التي يخاطبون فيها الشعب والعالم. عادوا إلى الميادين، ليقولوا كلام الثورة، ليقولوا رفضهم لعودة عقارب الساعة إلى الوراء. عادوا إلى ميدان التحرير، لتقابلهم في مواقع أخرى جماعات الماضي والسلطة، ليشوَهوا تحركاتهم، ويحفروا انقساماَ عمودياً في الانتفاضة. وبين شباب الثورة، وهؤلاء "الموفدين" من الأحزاب التقليدية وبعض البلطجية، استغل المجلس العسكري ذلك، واستغل استفراد هؤلاء المقاومين الحقيقيين، بعدما تخلى "حلفاؤهم عنهم، ليفتك بهم. افلت أمنه (بما يشبه موقعة الجمل، هل تذكرونها، موقعة الجمال والحمير والسيارات والهراوات) عليهم، ليخرجهم من الميدان، كشاهد أخير على بقاء الاحتجاج، بالقوة وبالرصاص الحي والقنابل المسيلة للدموع، ويسقط منهم الشهداء. وبقصد تشويه صورة شباب التحالف، ها هي جماعات غامضة مندسة، تقوم باحراق المؤسسات العامة لا سيما المبنى العلمي العريق… لتقول للعالم أن هؤلاء الشباب تحولوا من ثوار إلى مخربين وربما إلى عملاء للخارج! هذا العنف المندلع في الميدان وامتدادته معروفة مصادرة وأساليبه (تذكروا تفجير الكنيسة في الاسكندرية والتي اتهم فيها وزير الداخلية السابق في حكم مبارك لزرع فتنة طائفية). هنا أمر مشابه. وعندما اتصلتُ ببعض شباب الثورة من أصدقائي وسألتهم ماذا يجري في الميدان؟ ومن يحرق؟ ومن يخرب؟ ومن يرمي المولوتوف؟ أجابوني (وانا أصدقهم) بأنهم بلطجية العسكر والفلول، وعندما سألتهم: وأنتم (أي شباب الثورة) قالوا من يصدق اننا نريد ان نحرق البلد، الآثار. ألم نحمِ المتاحف والمكتبات في عز الثورة؟ وعندما قلت لهم" إن الاعلام الرسمي وبعض الفضائيات يتهمونكم؟" أجابوا "إنهم حلفاء الثورة المضادة المتمثلة بالمجلس العسكري والاخوان والسلفيين". وعندما سألتهم "هل يريدون تييئيسكم لإبعادكم ومصادرة ثورتكم واعادة انتاج النظام القديم" قالوا "هذا لن يتحقق لهم. وسنبقى في الميدان… حتى نستعيد ثورتنا التي سلبونا إياها".

إنها معركة شرسة بين شباب حالم أعزل إلاّ من إيمانه بالحرية ووطنه وبين طغمة أوليغارشية عسكرية ثيوقراطية بلطجية، تشكل هي الثورة المضادة؛ تحاول إفراغ الثورة من مضامينها التغييرية. تحاول طمس التوجهات الديموقراطية السلمية بإفلات أمنها وشبيحتها على هؤلاء. انهم يمارسون على تطلعات الشباب ما مارسوه من خلال نظام مبارك (متحالفاً مع الإخوان والبلطجية والأحزاب التقليدية) على أفكار الثورة الناصرية، عندما افرغت في عهدي السادات ومبارك من محتوياتها ثورة من خواء، من كلمات، من شعارات، فلا الاشتراكية اشتراكية بل محاصصة بين لصوص النظام والتجار والعسكر ولا الحرية حرية بل قانون طوارئ وسجون مفتوحة ورقابة وقمع وترويع، ولا العروبة عروبة، وانما هيكل مهجور لا انتماء فيه لا إلى "المصرية" ولا إلى العروبة… بل إلى السلطة… وصولاً إلى العائلية "المباركة" كما هي الحال في معظم الأنظمة التوتاليتارية (ما شاء الله) في اليمن مع عائلة علي صالح، وفي تونس مع عائلة زوجة الرئيس (طرابلسي) ، وفي سوريا (مع عائلة الأسد)، وفي ليبيا مع عائلة القذافي! ها هو قمة "الانحطاط" وانحطاط كل القمم. جُعلت البلدان والشعوب مُلْكية لجمهوريات لم تعد جمعهوريات. ومجالس شعب لا علاقة لها بمجالس الشعب. ووزراء وموظفين وجعلت الجيوش مجرد أدوات لحماية هذه العائلات وامتيازاتها (لتشاركها في فسادها!) وإلاّ كيف نفسّر استمرار تفوق اسرائيل على مجموعة الأنظمة العربية سلاحاً وحضوراً شيء رهيب… لا يصدق.

وها هم غربان الأنظمة البائدة يحاولون التسرب من جديد عبر ثورة الشباب. وها هم، في مصر، يحاولون إفراغ التجربة الشبابية (التي كانت فخر الأمة العربية مع مثيلاتها في تونس وسوريا وليبيا واليمن)، من كل فكرة أو اختيار، أو وجهة، ليجعلوا منها (كما فعلوا في الثورات المعلنة على امتداد ستة عقود) مجرد خرقة، مجرد أصوات فارغة، بل مجرد أصداء للخارج، بمسميات الأمن، والاقتصاد والأزمات الاجتماعية والنظام والقانون. فكأن شباب الثورة هم المسؤولون عمّا ارتكبه النظام أيام الرئيس المؤمن محمد أنور السادات وأيام المؤمن الآخر محمد حسين مبارك وسائر المؤمنين من الاخوان والتجار والحرامية وسياسة الاستسلام والتضليل الاعلامي وإفقار الشعوب. وهل كان أجر المواطن العادي قبل ثورة 25 يناير 500 دولار ثم صار بعدها 50 جنيهاً وان الشباب هم المسؤولون عن تدني البورصة والخسائر… وتراجع الدخل! بل كأن شباب ثورة 25 يناير هم الذين كانوا يقمعون الحريات في العهود السابقة وهم كانوا يقاضون الناس ويلفقون لهم التهم، ويزجون بالمثقفين والكتاب والعلماء والمعارضين بالسجون! كأنما يريدون عبر إعلامهم المزيف (الذي لا يختلف كثيراً عن الإعلام السوري الرسمي) تبرئة أنفسهم (أقصد العسكر والإخوان) من كل فظائع النظام السابق، ويلصقونها بهؤلاء الانقياء… لكن المضحك المبكي ان تعمد وسائل اعلام النظام من تلفزيونات وفضائيات وإذاعات وجرائد إلى اتهام شباب 25 يوليو بالقيام بثورة مضادة: فظيع. شيزوفرانيا وفصام… وخراب في الروح! يعني ان الشباب الذين قاموا بالثورة (بمن فيهم الشهداء والجرحى والميدانيون) يثوروون ضد أنفسهم، ويخونون أنفسهم ويتنكرون لثورة صنعوها يوماً يوماً. ولحظة لحظة بدمائهم وأجسامهم العزلاء وأصواتهم.. وأن العسكر وحلفاءه "الاخوان" والفلوليين يواجهون "بايمان" و"اصرار" الثورة المضادة. كأنما يتهمون "الثوار" بمعاداة الثورة. انه الاعلام الرسمي التبريري الممزوج بإعلام اخواني ديماغوجي يسعى إلى تشويه الحقائق والمواقف من باب سرقة الأدوار والمواقع.

لكن نظن ان شباب الثورة المعتصمين سلمياً في الميدان لم يتغيروا منذ حملهم مشاعل 25 يناير الأولى. ويبدو ان حلف السلطة والاخوان لم يتغير أيضاً: فريق يتمسك بأولوياته ومبادئه التغييرية، وآخر يكب على تدمير ما أنجز، بالدهاء والقمع والانتهازية. صحيح ان هناك وعلى هامش شباب الثورة من تسرب وتسلل واندس ليعطي الذرائع لاستخدام العنف وافراغ التحركات من مضامينها، وتشويه الصورة النقية للشباب وتلطيخها، إلا ان كل ذلك لن يحبط (كما اكد لنا بعض الأصدقاء في الميدان) عزيمة الشباب، ولن يجعلهم يتراجعون عن مطالبهم الاساسية، ولن يحملهم على اخلاء آخر الأمكنة الحية، آخر الميادين الثورية، لا للعسكر، ولا لحلفائهم ولا لفلولهم. فالثورة تبدأ كل يوم هناك. وتتجدد كل يوم هناك.. ولن نكون لا صناديق الاقتراع ولا الانتهازيات ولا التحالفات من أجل الهيمنة الانقلابية على السلطة، للعودة إلى ما قبل 25 يناير.. بديلاً من الثورة! صناديق الاقتراع وبالطريقة التي تم التصويت فيها هي لمجانين "الحكم" أما الميادين فهي لمجانين الحرية.. والثورة والمستقبل.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل