#adsense

خسارة النظام الأسدي للمعركة الأمنية

حجم الخط

تفجير كفرسوسة، جريمة. من قام بها مجرم. توقيت الجريمة، يدفع الى الشك بالنظام الأسدي. طبيعة النظام ومساره يدفعان للشك في "القاعدة" أو أي تنظيم عسكري وليد القمع الدموي واليأس من إيقاف آلة القتل. هذه الشكوك والاحتمالات تدفعان باتجاه طرح أسئلة كثيرة مشروعة.

البداية كما في كل التحقيقات، ليست من مكان الانفجار وإنما مما قبله. مسارعة النظام الأسدي الى اتهام "القاعدة"، وهو يلملم، بعدُ، شظايا الانفجار في كفرسوسة "قلعة" الأجهزة الأمنية- وحيث للتذكير، اغتيل عماد مغنية وضاعت معالم اغتياله في المكان نفسه وفي مستنقع الاتهامات التي بقيت ضبابية- ترفع من منسوب الأسئلة الشرعية.

عرسال، هي البداية. عرسال لم تكن يوماً ولن تكون "مكسر عصا" لأحد. هذه البلدة، التي أهلها كالرماح لأنهم كانوا دائماً معبراً للثورة ومقراً للعروبة العام 1958 وليس للارهاب، وُضعت في قلب "سيناريو" معَدٌّ بدقة جرى تظهيره فور تفجير كفرسوسة. عرسال هذه، بلدة لم تحارب يوماً لالتزام مذهبيّ. يكفي أن الشهيد الذي سقط في الأيام الأخيرة اسمه: خالد علي فليطي للتأكد من ذلك. دَفْعُ هذه البلدة المعلّقة في الجبال نحو التقوقع المذهبي خطير جداً، يجب العمل بسرعة لتفكيكه حتى لا يصبح هذا التقوقع دفاعاً مشروعاً عن النفس.

توقيت الانفجار هو أسوأ ما في الحدث. بدلاً من أن يبدأ المراقبون العرب من حمص أو ادلب أو درعا، بدأوا من كفرسوسة حيث مقر المخابرات، الطرف الأساسي في الحل الأمني وسقوط آلاف القتلى وعشرات الآلاف من المعتقلين. مسارعة المعارضة السورية الى وضع هذا التوقيت في خانة الاتهام، طبيعي، لأن النظام قادر على صناعة أسوأ من هكذا جريمة. المشكلة الأساسية أن النظام الأسدي هو الذي عمل بقوة طوال عشرة أشهر على خلق البيئة المناسبة للعنف. قبل ذلك، اجتهد طوال سنوات على عملية الخلق هذه، لكن مع تصدير نتاجها الى الخارج، أولاً الى لبنان وثانياً الى العراق. الآلاف الذين أرسلهم أو سهّل لهم اختراق الحدود الى العراق، يعودون اليوم إليه مع تجارب وأحقاد ميدانية مهمة. دائماً على الذي يخلق "الغول" انتظار عودته إليه.

الخطر الآخر الذي أنتجه النظام الأسدي طوال عشرة أشهر من العنف والقتل هو دفع المعارضة الشعبية نحو اليأس من سلمية الثورة. حالياً تتلبد الأجواء في الداخل وحتى في قلب المعارضة في الخارج باتجاه "عسكرة الثورة". تنظيم أو حركة "شباب الحراك الثوري" كان واضحاً بمطالبته في تونس عسكرة الثورة. الخوف أن القبول بذلك يعني الدخول من جديد في لعبة قفز العسكر على القرار، تماماً كما حدث مع حزب "البعث" عندما قبِل الحزبيون الاستيلاء على السلطة بواسطة الانقلاب العسكري، فكانت النتيجة أن العسكر حكموا وغنموا وأن الحزبيين تحمّلوا المسؤولية وغرِّموا.

سواء كانت "القاعدة" هي التي فجّرت المقر الأمني في كفرسوسة أو النظام نفسه كما تقول المعارضة فإن النتيجة واحدة تقريباً. ذلك أن العملية تعني:
[ أن النظام الأسدي قد خسر المعركة الأمنية. عندما يتم اختراق كفرسوسة بسيارة مفخخة واحدة أو أكثر، يعني أن النظام الأمني الذي جعل "الإبرة ترن" في سوريا طوال ثلاثة عقود لم يعد ممسكاً بالأمن، مما يفتح الباب أمام احتمالات كثيرة خصوصاً إذا ما تطورت مثل هذه العمليات التي قد يكسب النظام منها على المدى القصير خصوصاً أمام المراقبين العرب، لكنه حكماً سيخسر على المدى المتوسط لأن نظاماً مثل النظام الأسدي يكون كاملاً على الصعيد الأمني أو لا يكون.

[ ان النظام الأسدي قد فشل في حماية شرعيته، خصوصاً إذا ما أضيف الى هذا التفجير خسارته لمناطق واسعة في سوريا، حيث لم يعد للسلطات الأمنية وجود إلا في الدبابات التي تطلق النار عشوائياً قبل تقدمها.
يوماً بعد يوم يجري التأكد من أن النظام قد دخل دائرة النار ولا يستطيع أن يتقدم أكثر في داخلها لأنه سيحترق، ولا أن يخرج منها لأنه نظام غير قابل للتطور. تركيبة النظام تضعه في زاوية لا خروج منها. يكون كما هو أو لا يكون، في وقت لم تعد الأغلبية السورية والعربية والإقليمية والدولية تقبل بأن يبقى كما يأمل، فكيف به إذا كان يريد أن يبقى كما كان.

ما حصل بدايةٌ وليس نهايةً. ما سيحصل يحمل العديد من المفاجآت. يجب عدم استبعاد سقوط أكثر من مراقب ضحية لرصاصة طائشة أو لعناصر غير منضبطة أو الدخول في حيّ فالت أمنياً. من أجل أن يثبت النظام أنه هو الضحية وليس القاتل، لن توجد أمامه خطوط حمر.

أمام سوريا المزيد من الأيام الصعبة والمليئة بالدماء والدموع. المشكلة أن ما يحصل في سوريا، أنتج اشتباكاً اقليمياً ودولياً، لا مجال كما في الداخل للتراجع خطوة الى الوراء. واشنطن وأوروبا والعديد من العرب لا يقبلون بعد اليوم ببقاء النظام الأسدي، لأن ذلك يُعتبر برأيهم تسليم المنطقة الى ما يسمى "محور الممانعة" لموسكو وبكين، ما سيؤشر الى انهيار الامبراطورية الأميركية الغربية. ولا طهران وموسكو ستقبلان بسهولة الخسارة لأن انهيار النظام الأسدي ينهي حتماً محور الممانعة ويفكك ما يطلق عليه "الهلال الشيعي". كلفة الوصول الى هذه النتيجة ستكون عالية.

إذا كان "الربيع العربي" قد أدخل سوريا دائرة النار، هل يجب على اللبنانيين أن يحرقوا أيديهم ولبنان؟! أليس الأسلم أن ينأوا بأنفسهم عن هذه النار؟.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل