"إن مهمة إنشاء حياة عالمية دائمة السلام ليست فقط جزءا من نظرية القانون في إطار عقلاني بحت، بل هي في حد ذاتها هدف مطلق ونهائي".
ايمانويل كانط
دولة القانون:
أطلق الفيلسوف الألماني ايمانويل كانط (1724 ـ 1804) تعبير دولة القانون (Rechtsstaat) أو الدولة الدستورية أو دولة الحقوق في أواخر كتاباته كمحصلة نهائية لتاريخه الطويل من التعمق في الفكر الفلسفي السياسي والاجتماعي.
وتطورت هذه الفكرة لاحقاً بعد أن تم دمجها مع الأفكار التي وضعها الآباء المؤسسون للولايات المتحدة الأميركية، وأفكار الفلاسفة الفرنسيين الذين عاصروا عهد الثورة الفرنسية.
ترتكز فكرة كانط ومذهبه السياسي على منطق سيادة القانون والدستور المدون والمتوافق عليه في بلد ما، ومن ضمن دولة القانون يجب أن يكون هناك آليات لضمان تطبيق القوانين وهذا لا يمكن أن يتم إلا من خلال: "حياة سلمية دائمة كشرط أساسي لضمان سعادة الشعب واستقراره وازدهاره، لتحقيق هذه الأهداف يجب أن يعيش الناس في ظل الضمانات المشرعة لحقوق الفرد والملكية الخاصة التي يضمنها القانون المنصوص عليه في الدستور الذي يستمد شرعيته من استناده الى المثل العليا بالمطلق والعدالة والإنصاف في حياة الناس تحت رعاية القانون".
فمن ناحية المصطلح فإن دولة القانون تشير الى نظرية دستورية هدفها تنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم من خلال ايجاد علاقة متوازنة بين الطرفين. فالحاكم يسعى الى ممارسة السلطة بدون عوائق نظرية. والمواطنون يرغبون بتغليب ضمانات حقوقهم وحرياتهم العامة. والقانون هو الناظم لجدلية هذه العلاقة على المستوى العمودي، أي بين السلطة والمواطنين، وبدون هذه القوانين لا شيء يمنع الحاكم من التعسف غير المحدود على خلفية المحافظة على النظام وعلى سلطته. وبدون القوانين تتحكم الغوغاء بالمجتمع بحيث يصبح في عصيان دائم، فتسود شريعة الغاب وتزول بطبيعة الحال حدود الحريات الشخصية.
لذلك، وحفاظاً على سلمية العلاقات بين أفراد المجتمع على المستوى الأفقي، رضي المواطنون بالتخلي عن جزء من حرياتهم المطلقة لصالح السلطة التي تنظم من خلال القانون ليس فقط العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بل بين المحكومين أنفسهم وذلك بضمان الحريات الخاصة والأمان والملكية الفردية. وفي ظل دولة القانون يعلم المواطن انه لم يعد يخضع لسلطة فرد أو حاكم بعينه، بل هو يخضع لسلطة القانون، ويعلم المواطن الفرد أيضاً أنه خاضع للمحاسبة في حال مخالفته القانون، ولكنه يعلم أيضاً أنه قادر من خلال المؤسسات على محاسبة من هم في السلطة في حال خالفوا هم قواعد التعاقد على أساس القانون.
وتقضي ضرورات السلم الاجتماعي بأنه من ضمن العقد الاجتماعي ينبغي على المواطن أن يسلم مسألة حمايته الفردية والجماعية الى السلطة التي تصبح وحدها المسؤولة عن استعمال العنف لضمان أمن المجتمع، وهذا يعني أنه لا يمكن في ظل دولة القانون أن تكون مسألة ضمان الأمن موزعة بين سلطات وقيادات تخضع كل منها لسلطة سياسية مخلتفة عن الأخرى.
دولة الحاكم بأمره
في سياق معاكس لمبدأ دولة القانون، برزت ظواهر في بعض العالم استبدلت منطق الدولة بشعار الثورة المستمرة، أي دوام مرحلة التغيير وعدم الاستقرار، مما يسوغ للحاكم الفرد، أو للحزب الحاكم مبدأ تجاوز القانون والدستور. وهنا تبرز مقولة معمر القذافي بأنه قائد ثورة، واستمرار تعبير الثورة الإيرانية قيد التداول، واستبدال تعبير رئيس الدولة بالأب القائد أو الزعيم الخالد أو المرشد الأعلى، هذا بالإضافة الى استعمال قوانين الطوارئ التي تقونن الخروج عن القانون وتشرع استباحة الحقوق المدنية.
دولة "كل مين إيدو إلو"
في لبنان، كان من الواضح أن حزب الولي الفقيه استفاد من فترة غياب القانون أثناء الحرب الأهلية ليثبت وجوده في مناطق انتشاره المنطقية بناء على عقيدته السياسية المرتبطة بمشروع ولاية الفقيه. ولو راجعنا قياداته وتصرفاتهم في ثمانينات القرن الماضي لكان واضحاً أن هذا الحزب كان يسعى الى إرساء قانون ولاية الفقيه في ظل غياب تام للقانون المدني. لذلك، لم يكن مستغرباً رفض هذا الحزب اتفاق الطائف، الذي أصبح دستور لبنان، لأنه أعاد إرساء قواعد لدولة لها دستور وقوانين، وهذا ما يعني تأخير مشروع ضم لبنان الى سلطة الولي الفقيه والخضوع على مضض للقوانين وللدستور.
إن دخول حزب ولاية الفقيه اللعبة السياسية اللبنانية بعد فتوى شرعية من الولي المعصوم لم تكن على سبيل اعتراف بالدولة وقوانينها، وإنما ممارسة نوع من التقية والسعي الدائم الى هدم الدولة في سبيل إقامة مشروع الحزب مكانها.
لذلك، فقد استمر بناء الميليشيات والمؤسسات الرديفة خارج الأطر الشرعية، على الرغم من أن الدولة في أثناء الاحتلال السوري كانت عملياً صديقة للحزب وحامية لمساره. أما بعد خروج الجيش السوري من لبنان، فلم يتورع قائد هذا الحزب عن الإعلان في خطبة في ملعب الراية بعيد حرب تموز بأن الدولة غير موجودة كمبرر لاستمراره بالاحتفاظ بسلاحه وميليشياته.
ورغم كل الأساطير الذي بناها هذا الحزب عن المقاومة فإنه، وتعبيراً عن عدم اعترافه بالقوانين، لم يتورع عن استخدام سلاحه لكسر القوانين وفرض قوانينه الخاصة على المواطنين. لقد أدى ذلك الواقع الى حالة من الفوضى العامة بحيث أصبح المواطن بشكل عام، وفي مختلف المناطق، يتشبه بتجربة حزب الولي الفقيه ويعتبر خرقه للقانون من قبيل المساواة مع الرعايا الموجودين تحت وصاية الحزب. فإن خالف مواطن قانون السير يتمثل بما يحدث في الضاحية الجنوبية، وإن بنى في المشاعات أو خالف أنظمة البناء يكون مثله ما يحدث في الجنوب من بناء عشوائي، وإن علق شريطه الكهربائي على الخط العام يقول يساويني ما يساوي الآخرين أو حسب القول الشائع "شو وقفت عليي!".
الواقع هو أن حزب ولاية الفقيه لا يمارس مسألة كسر القوانين بالصدفة، بل هو جزء أساسي من سياسة مدروسة لهدم القائم حتى يتمكن من طرح البديل الذي يؤمن به وهو دولة الولي الفقيه. كما أن ممارساته على المستوى السياسي والبرلماني وكسر الأكثريات النيابية من خلال الارهاب (القمصان السود مثلاً) ما هو إلا لتيئيس المواطن اللبناني من النظام الديموقراطي الذي اختاره لنفسه كتعبير عن السعي الى الحرية.
أما المثل الأخير في قضية استهتار الحزب المعصوم بمنطق الدولة فهو كيفية تعامله مع قضية المطالب العمالية عندما أيد في مجلس الوزراء مشروع رئيس الحكومة ومن ثم أعلن تأييده لرفض العمال لهذا المشروع، ومن بعدها ومن أجل استمرار تبعية الجنرال عون له، عاد وأيد مشروع شربل نحاس على الرغم من الضرر المرجح على مالية الدولة وعلى استقرار الاقتصاد.
فما علينا نحن كمواطنين إلا التمسك بالقوانين لأنها الضامنة الوحيدة للحريات في ظل دولة القانون، أما المشاريع الهدّامة فهي الى زوال.