عادةً ما يغرق بعض شموسنا في غياهب "الانا"، لنظنّ ان وراء كل ادعاءٍ عظمة، او ان وراء كل قناعٍ بطل، لكنّ شمساً مختلفة تشرق هذا الليل لتدفع الاخريات الى الاختباء والى الخجل، ولتعانق مياه النهر التي تتمشى بين الثلوج البيض، الرابضات على تلالٍ نظيفة من كل التافهين والفارغين والسّذج، ومن واقع المستكبرين الصغار، ومن مواقع الاستكبار.
انها لحظة حبٍّ جمٍّ مولود في مغارةٍ للعلف وللعفن… وللحيوان.
انها لحظة شمس العدل، الرافضة الظلم، الولاّدة الثورة، والوليدة خلوداً وخشوعا.
انها لحظة الارتباط مع التناسل الالهي غير المرئي، ولحظة الهيام بين الفناء والفن والابداع والخلق.
هل تعلمون ان تلك اللحظة التي تجمّدت فيها امرأة بشرية، فتمجّدت بالرضى والقبول عبر استيداع الإله في الرحم الانساني، فاستيلاد الرحمة، حتى للذين لا يرحمون؟ او المغفرة.. حتى للذين يعرفون ويدرون؟
هل تعلمون ان اللحظة تلك، هي لحظة مشرقية مميّزة، غيّـرت مسار التاريخ عبر انقلابٍ وثورة من الداخل هي أمّ أمّ الثورات والثوار الاحرار؟
نعم تعلمون، لان في محتواها بطولة القيم الخالدة، وشجاعة المحبة، وجرأة المواجهة مع الظالم ومع الكذاب ومع المتآمر، ومع خدمه أيضاً.
في بعدها الاول، صورة هيرودوس الداخل الى بيت لحم ليقتل الاطفال مستهدفاً طفلاً، وفي بعدها الثاني، صورة يوحنا الصارخ في البرية أن اعدوا طريق الرب وقوّموها، ورأس يوحنا المقطوع دفاعاً عن حقٍ ولو كان لسواه… ولكنه حق.
وهي حضور هذا البعد، في الطفولة المعذبة في سوريا ومصر وكل ارض العرب العاربة، وحبور الشباب الثائر كما يسوع، وعبور العويل الى "الرامة الجديدة" حيث امهات ثكلى وتأبى ان تتعزّى، كما قال ارميا النبي، بل تطلب من العليّ عدلاً، ومن الارض قضية.
هو هذا المجيء الخاص بالطفل الالهي في هذا الليل، حيث القتلة كما اللصوص، والمقاتلون في افياء الاحياء المدنية، والرجال يحملون الاسرّة هرباً من هيرودوسيّي العصر! والشباب يحلمون ويعملون لاجل الغد، فالغد وعد ما يلي الصليب، وما ينبئ بالمشرق الجديد، وما يجعل جسر الحديد البارد دفئاً كرحم الام، وطمأنينةً.. كرحمة الخالق.
الشرق الجديد سوف يولد مع ميلاد السيد، ولن تمنع الجزمات المريضات قيامة الزهور… من قال ان المسيح يحتاج الينا كمسيحيين في شرقه ان لم نكن خميرة لحرية هذا الشرق، او صوت الذين يختبئون من الذئب، او يحاولون التعايش مع الذئب، او شهادة الذين يفرحون لاننا نشهد معهم ونستشهد لحقيقة الآتي من الايام، ونموت معهم… بحثاً عن وطن.
ان الآتي الاكيد يسوعي بامتياز وبالتأكيد، لان قيم الحياة هي بشرى اليسوع هذا، وبشارة الحرية.. الآتي الاكيد مولود من الم اليسوعيين ولو كانوا من غير اتباع يسوع، الذي أتى للذين قبلوه ومدّ يده للذين لم يقبلوه.
الآتي الاكيد هو صورةٌ من صوره، ومشهدٌ من سيرته لانه يحمل في طياته سرّ حبة القمح التي لا تزهر ان لم تمت وتدفن في الارض، كما شعراء ثوراتنا العربية هذه، واصداح حناجرهم الطاهرة.
كان المؤرخ اللاتيني "تاسيتوس Tacitus" يقرأ على الناس بعضاً مما كتب عن احد الطغاة الظالمين، وكان نجل الطاغية حاضراً، فجثا امام المؤرخ وقال، بالله عليك يا سيدي توقّف! التفت المؤرخ في الجمع وقال: ان الاشرار لا يخجلون وهم يقترفون الاثم، لكنهم يخجلون ويخجِّلون ابناءهم حين تــُروى اخبارهم وما اقترفوه…
يوم ولد يسوع من عذراء بدأت الحياة رحلتها مع الموت، كذلك ابتدأت رحلة القيامة. كما كان ثائراً شجاعاً غير عنفي هكذا اتباعه اليوم: صدورهم تدمي، قلوبهم تدمي وتسقي… لتزهر وطن!