سأل متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأورثوذكس المطران الياس عودة عما إذا كان اللبنانيون يدركون أنهم ينتمون الواحد للآخر وأنهم ينتمون إلى وطن واحد فريد بفسيفسائه؟ صحيح أن عدد الطوائف في لبنان 18 "ولكن ألسنا نؤمن بإله واحد ونسكن أرضاً واحدة ونستظل دولة واحدة؟ فلم التشتت والتفرقة والإنعزال؟"، مشيراً إلى ان الأسرة المفككة تنهار وينهار أفرادها، أما تلك الموحدة فيجتمع أعضاؤها على السراء والضراء، وفي اجتماعهم تكون قوتهم. وأضاف: "هذا ينطبق على الوطن، الأسرة الكبيرة التي تجمع كل المواطنين، وبديهي أن يجتمع المواطنون من أجل خير وطنهم، وأن لا يسمحوا ليد الشر أن تفرقهم وتزعزع ترابطهم، ولا للأنانية أن تبعد الواحد عن الآخر مهما كانت الذرائع أو علل الخطايا".
عودة، وفي العظة التي ألقاها خلال ترأسه خدمة قداس الميلاد في كاتدرائية القديس جاورجيوس في وسط بيروت، اكّد أن "إحترام واحدنا للآخر واجب، ومن لا يحترم أخاه لا يحترم نفسه"، مشيراً إلى أنه "وإن كانت محبة العدو أمراً إلهياً فكيف نهمل محبة الأخ المواطن ومحبة الأخ القريب التي هي وصية إلهية عظمى". وأضاف: "طبعاً هناك وجهات نظر عديدة بين اللبنانيين وهذا أمر صحي. لكن الإختلاف يجب ألا يتحول إلى خلاف".
ودعا عودة اللبنانيين ليتذكروا دائما أنهم، رغم اختلافاتهم، كلهم بشر توحدهم الإنسانية، وكلهم لبنانيون يجمعهم حب الوطن والإنتماء إليهـ مؤكداً أن لا خروج لوطننا من الصعوبات والمحن إلا متى أحس كل واحد منا، كل لبناني، بأن لبنان وطنه وبأن اللبناني الآخر أخوه، ومتى قام كل منا بكامل واجباته تجاه وطنه، وتمنى لأخيه ما يتمناه لنفسه، وعامل أخاه كما يحب أن يعامل هو، ومتى رفض لأخيه ما يرفضه لنفسه. وأضاف: "بكلام آخر، لن نشهد ولادة لبنان الجديدة إن لم نشهد صدق اللبنانيين وحسن نواياهم تجاه بعضهم البعض".
واستطرد عودة: "إن تألمت فئة يتألم الجميع معها، وإن فرحت فئة يفرح الجميع، وإن أحست فئة بالغبن أو الظلم يتدافع الآخرون لرفع الظلم عنها"، مشيراً إلى أن هذا يعني أن يحب بعضنا بعضا لا أن نتبادل الحقد والكيد والكراهية والتشفي ونتراشق بالإتهامات من أجل جني المكاسب، وننصب أنفسنا ديانين على الآخرين، ننعتهم بشتى النعوت، متناسين قول الرب لنا لا تدينوا لكي لا تدانوا، ونصيحته أن ننظر الخشبة التي في أعيننا قبل القشة في عين غيرنا.
ودعا عودة في يوم عيد الميلاد اللبنانيين إلى النظر ملياً في معنى رسالة ربنا يسوع المسيح إلى البشر، علّ ذلك يساعدهم على الخروج من المآزق "التي نرمي أنفسنا فيها"، مطالباً بالكف عن إطلاق النظريات والشعارات من دون العمل بها. وأضاف: "أما أنتم أيها المسيحيون فلا تتلهوا بتعداد المخاطر التي تحيط بكم أو تهدد وجودكم بل اعملوا بما علمكم إياه ربكم وسيدكم وفاديكم. كونوا مسيحيين حقيقيين حياتكم تعبر عن إيمانكم وأعمالكم تترجم أفكاركم، ولا تنسوا ما قاله الرب لكم: "لا تخف أيها القطيع الصغير فقد حسن لدى أبيكم أن ينعم عليكم بالملكوت" (لو 12: 32)".
وتابع عودة: "كاتب المزامير قال: "ألق على الرب همك وهو يعولك" (مز 55: 22). إن القلق يعني عدم الإيمان، وهو خطيئة. أليس تناقض في حياتنا أن نبشر بإيمان لا نمارسه؟ ألا نؤمن بأن القلب المتخشع والمتواضع لا يرذله الله" (مز 50: 19) وبأن من يهتم بسنابل الحقل وطيور السماء لن يترك من اختار أن يتبعه؟".
وإذ سأل عودة: "كيف ننتصر على القلق؟"، أجاب قائلاً: "الخطوة الأولى تكمن في إدراكنا أن الله يعرف مخاوفنا وما نحتاج إليه لأننا خراف في قطيعه الصغير، أفراد في عائلته، خدام في مملكته، وهو يزيل كل مخاوفنا ويزرع الرجاء في قلوبنا"، مشيراً إلى أن المؤمن الحقيقي لا يخاف لأنه يحب الله ولا خوف في المحبة. وأضاف: "هذا المؤمن يلتقي مع أي مؤمن حقيقي على عبادة الله واحترام الآخر، مهما كان الآخر مختلفا".
وختم عودة بالقول: "الإيمان عنصر توحيد بين البشر لا عنصر تفرقة. الإيمان لا يخيف لأنه مصدر حياة ومحبة. التعصب هو المشكلة لأنه يولد الأصوليات والتزمت ويجعل الإنسان في الظلام. وقانا الرب شر الإنغلاق والتزمت، وجعلنا من أولئك الذين يطيعون تعاليمه ويبشرون بالإيمان والرجاء والمحبة واحترام الإنسان والإنفتاح على الجميع، ويغفرون للناس زلاتهم كما أوصاهم الرب، ليس بالكلام إنما بالأفعال".