لعل أغرب ما تثيره سنة آفلة كهذه التي يقف اللبنانيون على مشارف نهايتها بعد ايام، هو توازنها السلبي الذي طبع المسار الداخلي منذ بداياتها الى النهايات، كأن لبنان مشى في الزمن الذي حمل رقمها على حبل مشدود فوق قاع عميق، فلم يسقط ولكنه لم يعرف الامان.
2011 تحفّز في حصيلتها اللبنانيين على مزيد من الواقعية، ولو افتقدت الواقعية غالبا الى الاحلام الكبرى والطموحات المفرطة. بل لعلها تحفز اكثر على "البراغماتية" الانانية، ولمَ لا، ما دام المقياس الحصري اللازم والملزم شبه الوحيد الذي ستقاس به احوال لبنان خلالها، وفي معزل تماماً عن نزعات أفرقاء الصراع وانتماءاتهم وارتباطاتهم وحتى رهاناتهم، يتصل اولاً واخيراً باستعادة الخط البياني اللبناني العام وسط زلزال تاريخي ضرب الكثير من الدول العربية وانظمتها في سنة يقظة الشعوب العربية التي شطرت الرهانات والآمال والمخاوف حتى على توصيفها، بين "ربيع عربي" او "ثورات عربية" او "فوضى عربية".
مفارقة مذهلة أبت الا ان تقتحم القدر اللبناني من الاسابيع الاولى للسنة، فوضعت لبنان على الحبل المشدود بين تطور سياسي "راديكالي" في الداخل مع الانقلاب الموصوف على الغالبية السابقة واحلال ائتلاف اكثري آخر مكانها، وتطورات عربية متدحرجة لم تتأخر اكثر من شهر ونصف شهر حتى الحقت سوريا، مارد النفوذ الساحق في لبنان منذ اربعة عقود، بقائمة البلدان التي اصابها "الدومينو" الجوال بسرعة مذهلة.
واقع الحال ان لبنان وجد نفسه امام احد المفترقات التاريخية المصيرية التي تتجاوز بعمق تاثيراتها عليه تلك الحقبات المفصلية التي ساهمت مساهمة قوية وحاسمة في العبث بتوازناته الداخلية أو حتى في تفجير حروبه في حقبات سابقة. بدا الامر أشبه بانبلاج عصر الناصرية ومدها الهائل على لبنان لوهلة. ثم بدا ايضا اشبه بحقبة تلقي ارتدادات صفقات السلام العربية – الاسرائيلية وصراعات القوى الكبرى على ارضه. وكاد يبدو لوهلة اخرى ايضا اشبه بساحة منازلة واسعة ومفتوحة بين "محور الممانعة" والمحور الغربي – الخليجي. كل هذا اختلف هذه المرة ولكن ليس الى المدى الذي يسقط المخاوف من "وظيفة" موروثة بفعل اللاحصانة التي لا يزال لبنان يعاني فقدانها ما دام مشروع الدولة فيه يطرق الباب ولم يدخل الدار.
استحكمت المخاوف من الاستباحة المستعادة وهاجسها، ولكن الميزان السلبي للاستقرار في حدوده الدنيا لم يسقط تماما. بدا لبنان واقعياً في محجر الانتظار، وهذه المرة مع حسابات شديدة الحبك والتوجس بدت معها القوة الداخلية "العملاقة"، صاحبة الطول والباع والتأثير في اللعبة الداخلية، في مأزق غير مسبوق. فما بدأ يدور في سوريا تحديداً لم يكن فعلاً في برمجة اي قوة او تحسباتها مهما بلغت شطارة المزاعم. ثم ان ميزان القوى الداخلي وان جنح مع اسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري واستيلاد اكثرية جديدة مع حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، وزع انصبته بسحر ساحر على المسار السياسي والامني والاقتصادي والاجتماعي، واضعا الجميع امام نوع مختلف وطارىء من الحسابات السياسية والسلوكيات السياسية التي لا تقيم وزناً لأي خطأ قاتل كان يمكن ان يرتكبه أي لاعب ان هو تخطى هامش التهور والعبث بالخطوط الحمر.
باتت الاكثرية الجديدة بعد 15 آذار 2011 تاريخ اندلاع الثورة السورية، محكومة بعاملين رافقا مجمل مسارها، حتى نهاية السنة والى ما بعدها على الارجح، وهما: اولوية حماية هذه الاكثرية وحكمها في اختبار داخلي صعب شاق تلاحقت استحقاقاته في مجالات عدة اساسية ولو بدا تمويل المحكمة الدولية الملف صاحب النجومية الاولى الذي طبع هذه التجارب، والسباحة الشاقة الاصعب في اختبار خارجي رتّبه التكوين العضوي لحكومة تضم الحلفاء الاساسيين الاقوياء لدمشق مما يجعلها في عين العاصفة ورياحها العاتية مع كل هبّة من هبات الصراع بين النظام السوري والمجتمع الدولي.
عند خط التماس والاشتباك هذا، اكتسبت معاينة السياسات التي اتبعتها حكومة الرئيس ميقاتي اهمية مزدوجة، ان من حيث اختبار قدرة رئيس الحكومة مع حليفيه الوسطيين رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط على فرض سياسات "مستقلة" يقنع بها شركاءه الآخرين، ولا سيما منهم "حزب الله"، بعدما حولت معارضة قوى 14 آذار معركتها مع الحكومة ضرباً لا هوادة فيه على خاصرتها الرخوة باعتبارها "حكومة حزب الله"، وان من حيث تجنب عاصفة دولية كانت تنذر بالانقضاض على لبنان لدى اي سقطة في حسابات غير مدروسة حيال اي من الملفات ذات الصلة بالمجتمع الدولي كتمويل المحكمة او تحويل الجنة المصرفية اللبنانية متنفساً للنظام السوري.
والحال ان الاشهر الثلاثة الاخيرة من السنة شهدت ظاهرة التكيف الصعب والمكلف مع موجبات الحفاظ على ستاتيكو داخلي لا يسمح بأي شكل باندفاع سياسات راديكالية تحت وطأة الاثمان الكبيرة التي ترتبها. كان تمرير خطوة الرئيس ميقاتي في تمويل المحكمة الخاصة بلبنان العنوان الصارخ لتسليم الاكثرية، ولا سيما منها "حزب الله"، بحتمية هذا التكيف مهما قيل في الامر. وكان التلويح العلني للرئيس ميقاتي بالاستقالة ان لم يمر التمويل العنوان الاكثر افصاحا، عن مناخ دولي متربص بلبنان، ان هو تنكّر في لحظة اقليمية وعربية ودولية محمومة لالتزام بهذا الحجم. ثم ان التزام القطاع المصرفي، هذا العملاق المالي والاقتصادي الاقوى في لبنان، موجبات الرقابة الصارمة على الاموال السورية ومن ثم خطوته المفاجئة في تمويل المحكمة، شكلا واقعياً تعطيلاً للغم الاشد خطورة الذي كان يمكن ان يكشف لبنان على خطر الانهيار.
مع ذلك، تسللت ملامح الانكشاف من اماكن الضعف ومواقعه الاخرى لتقيم شعائر التوازن السلبي وطقوسه وتبقي هاجس الاستباحة سيفاً مصلتاً فوق رؤوس اللبنانيين. بمعايير الاستقرار الامني الداخلي الشامل، تشكل 2011 سنة تراكم اضافية في رصيد "نضج" الجماعات اللبنانية والطوائف والمذاهب، على رغم ما يشوب الواقع الداخلي من توترات واحتقانات تعلو وتهبط على وقع تموجات الصراع السياسي والخطاب الاعلامي. لم تسجل وقائع خطيرة بالمقدار الذي اثار خشية كثيرين من استحضار الازمة السورية واستدراجها الى لبنان، خارج اطار الفرز السياسي على الاقل. وحتى في الرصد الدقيق للأمن بكل يومياته، يمكن الملاحظة ان جرائم فردية مروعة حصلت خلال هذه السنة هزت مشاعر اللبنانيين واثارت خشيتهم على الامن الاجتماعي اكثر منها على الامن السياسي. ولئن يكن لسان حال اللبنانيين ان "الكحل احلى من العمى"، فان الالتباس الخطير الذي رسم حول الحدود اللبنانية – السورية وكان آخر فصوله في الاسبوع ما قبل الاخير من السنة في شأن المزاعم عن تسلل "ارهابيين قاعديين" من عرسال الى سوريا شكل العلامة الشديدة الخطورة على "مشاريع" من شأنها ان تبقي باب الحذر مفتوحاً على الغارب. لم يكن ذلك معزولاً عما سبقه. فثمة ظاهرة تم استيلادها قبل الواقعة الاخيرة بشهور وتمثلت "بتزنير" مساحات شاسعة بالالغام من الجانب السوري، مقرونة بايحاءات اتهامية موصوفة بتسلل المسلحين والسلاح من لبنان الى سوريا. مسألة تمس بالسياسة كما بالامن وتضع شريحة لبنانية كبيرة في عين الاستهداف.
ثم ان الاخطر في هذا المنحى الاستدراجي للازمة السورية وانعكاساتها على لبنان، وما يثار عن تحريك لعبة "الاوراق" الجاهزة، لم ينحصر بالحدود الشمالية والبقاعية، بل انطلق أصلا من جنوب الليطاني وشماله مع الاستهداف المنهجي لقوات "اليونيفيل" ولا سيما منها القوة الفرنسية، وهي مسألة لا تمس فقط بمصير "اليونيفيل" بل تتسلل الى ما هو أبعد، اي وضع لبنان برمته في معترك "وظيفة" يفترض ان ينفضها عن نفسه ويلفظها الى لا رجعة، وهي وظيفة "الساحة" و"علبة البريد" المدمرة.
أما ملفات الداخل ومعاركها ومماحكاتها، داخل الحكومة وخارجها، وبين القوى السياسية في السلطة والمعارضة، وكذلك هواجس الطوائف ومواقفها وتفاعلات الحدث العربي في سلوكياتها، فوضعتها سنة 2011 بمجملها في موقع شديد التحفز لمرحلة آتية لن يكون غريبا ان تحط رحالها في السنة الجديدة، مع تحولات يصعب الا على فاقدي البصيرة توقعها. ذلك ان لبنان لم يصبح بعد "مكسر موج" لينأى بنفسه عن محيط هائج بالثورات، فكيف تراه "سيتكيف" في السنة الطالعة ان أملت عليه احداث أشد جسامة مما سبق ان يحاصر نفسه بأحزمة أمان استثنائية بالكامل؟