#adsense

من أول الطريق..

حجم الخط

لم يأخذ الأمر وقتاً طويلاً قبل أن يكتشف المراقبون العرب الفحوى الأخير لمهمتهم التي انتدبوا اليها في سوريا.. "انها حرب إبادة" صرخ أحدهم عبر محطة "العربية" بالأمس، تعليقاً على ما حصل ويحصل منذ يوم الجمعة الماضي، وعلى المجزرة التي ارتكبتها مدفعية السلطة في أحياء مدينة حمص.

من أول الطريق وليس من آخرها. ومن اليوم الأول وليس من اليوم الثلاثين، نضجت مقومات التقرير الموحّد الذي سيرفعه مراقبو الجامعة العربية الى مجلسها الوزاري في ختام مهمتهم.. أي بعد شهر إلا بضعة أيام. والحاصل هو انه، وكما توقع كثيرون، استقبلت سلطة دمشق هؤلاء على طريقتها. ووفق سيناريو مُعدّ سلفاً، و"قرأه" كثيرون أيضاً قبل أن تبدأ ترجماته الميدانية.

التفجيران الارهابيان في دمشق يوم الجمعة، كانا أول المهام الميدانية للمراقبين. وأول الأهداف الرسمية السورية المتوخاة من وراء الموافقة على مجيئهم.. تلك المهمة لم تكن موضع قبول وترحيب في الأصل والأساس. لكن طالما ان الروس امروا وقُضي الأمر، فليكن ذلك وفق أجندة السلطة وليس وفق أجندة الجامعة العربية.

وفي تلك الأجندة، كما صار معلوماً ومقروءاً ومعروفاً ومعلوكاً، هو أن ما يجري في سوريا منذ أكثر من عشرة شهور، ليس إلا مواجهة بين السلطة المركزية والارهاب العالمي ممثلاً بـ"العصابات المسلحة" في شوارع درعا وحمص وحماة ودير الزور وإدلب! وبـ"القاعدة" ومشتقاتها في قلب دمشق، وتحديداً في كفرسوسة المحروسة. وهاكم الدليل!

ولمن ضرب أخماساً بأسداس، وراح يتخبّط في العتم ليعرف المقصود من الإعلان المدوّي على لسان وزير الدفاع اللبناني عن تسلل عناصر من "القاعدة" الى عرسال ومنها الى سوريا، يمكن له الآن التوقف عن تلك اللعبة التخمينية، بعد أن تبيّن ان المقصود (على الطريقة السورية التقليدية) كان تحضير المناخ سلفاً لما حصل وسيحصل؟

واستكمال عدّة نشر وتعميم ذلك المناخ لا يمكن أن يتم إلا من خلال الاستعانة بالمدَدَ اللبناني. وكما كان الحال قبل التنفيذ، هو مطلوب بعده: الناطق باسم الخارجية السورية يعلن بعد التفجيرين مباشرة ان لبنان كان حذّر سوريا من تسلل عناصر من "القاعدة".. فيما حلفاء سلطته في بيروت يسرعون، وفي غضون دقائق معدودة، الى دبّ الصوت لتنبيه العالم! من "الهجمة الارهابية" التي تتعرض لها سوريا!

لعبة مرموقة، سبق وان عشنا في لبنان تفاصيلها وتكتيكاتها، وان اختلفت أهدافها: قبل الانقضاض على أي هدف، تجري عملية سياسية ـ إعلامية في شكلها، مافيوزية استخباراتية منحطّة في جوهرها، لتمهيد الطريق وتزفيته وتبليطه أمام التنفيذ.

وكما كانت الحال في لبنان، هي كذلك في سوريا: تلك الممارسات ولّدت وتولّد مآسي وفواجع وكوارث متناسلة. لكن كما أدت عندنا الى اندحار ذلك المنطق وأدواته، وسيادة منطق المحاسبة رغم كثرة شبيحة الكلام وجلاوزة اللغة والشهود الزور، فانها لن تؤدي في سوريا نفسها إلا الى النتيجة نفسها.

اللاعب واحد فوق المسرحين. ومن الطبيعي والمنطقي أن تكون النهاية واحدة في البلدين. من خرج من لبنان، يخرج من سوريا… ولتسدل الستارة بعد ذلك على هذا الفصل الدموي الفظيع في تاريخنا وتاريخ سوريا وتاريخ العرب سواء بسواء!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل