إذا كان النظام السوري قد مارس منذ بداية الثورة سياسة استعمال الحكومة اللبنانيّة كمنبر مساند في المحافل العربيّة والدولية، فإنّ إيران التي تساعد النظام قد أضافت إليه مساعدة أخرى لا تقلّ أهمّية، وهي المتمثلة بالحكومة العراقيّة التي انخرطت بدعم النظام.
لهذا السبب ولغيره من الأسباب التي تراكمت نتائجها في السنوات الماضية، تبدو الساحة العراقيّة أقرب الى أن تكون مشهداً معرّضاً للكثير من تداعيات ما يحصل في المنطقة، خصوصا في مرحلة ما بعد الانسحاب الاميركي غير الكامل من العراق التي تلتها مباشرة مؤشّرات أزمة صامتة فأصبحت ناطقة بعنف، وهي تؤثّر بالملفّ السوري وتهزّ أمن واستقرار الخليج.
مؤشّرات ما يجري في العراق تتّصل مباشرة بإحساس مجلس التعاون والمملكة العربية السعودية على وجه التحديد بأنّ حكومة المالكي تلعب دور المدخل الإيراني الى الخليج، الى البحرين والمنطقة الشرقية في السعودية، والى كلّ الإمارات الصغيرة التي ترى في تمدّد الجمهورية الإسلاميّة عامل خوف وشيك، لا يمكن الاستكانة الى خطورته إلّا من خلال البدء فوراً بسدّ منافذ الخطر وأوّلها وأكبرها المنفذ العراقي، وهذا يعني باللغة الواضحة أنّ السعودية وضعت على الطاولة خطّة إسقاط حكومة المالكي، وليس بعد رحيل القوات الاميركيّة ولكن قبل ذلك بكثير، وهو يعني أنّ العراق يتّجه الى صراع يشبه نموذج سوريا، ولكن مع فروقات لا يمكن تجاهلها.
والسؤال سيكون في المرحلة المقبلة متمحورا حول سؤال أساسيّ: هل ستتّجه إيران في العراق وسوريا ولبنان إلى سلوك طريق المواجهة مع مَن سيمثّل الأغلبية المستقبليّة، وحتى سيكون خلف هذه الأغلبيّة، أم أنّ إيران ببراغماتيّة قيادتها النسبيّة سوف تنظر بعين الواقعيّة الى انهزام النظام السوري وعدم قدرته على الاستمرار، والى مأزق حكومة المالكي داخل طائفته وفي مواجهة المكوّنين السنّي والكرديّ، كما الى وضعيّة حزب الله المرتبطة لبنانيّا بتوازنات بدأت عناصر قوّتها تتآكل مع اهتزاز النظام السوري؟ وبالتالي هل ستتّجه إيران الى صياغة تسوية في كلّ هذه الملفّات يمكن ان تنتج تغييرا في هرميّة السلطة في العراق، والبدء بمرحلة انتقاليّة في سوريا تعني عمليّا الاعتراف بنهاية النظام والتطلّع الى ما بعد سقوطه، كما يمكن ان تؤدّي لبنانيّا الى العودة لمرحلة ما قبل الانقلاب على حكومة الحريري، وهو ما يعني الاعتراف بفشل مواجهة المحكمة الدولية وتسليم المتّهمين باغتيال الحريري؟
المشهد الإيرانيّ يوحي شكلاً بأنّ خيار المواجهة أعلى احتمالاً من خيار التسوية، لكنّ الخيار الأوّل تعترضه استنتاجات لا تخطئ بالنسبة إلى إمكانية نفاذ النظام السوري من أزمته، وهذا الخيار هو الأكثر اهمّية بالنسبة إلى إيران التي تعوّل على بقاء النظام وأنّها لا تستطيع في الوقت نفسه التعامل مع سقوطه كاحتمال بعيد التحقّق، أمّا إذا سقط النظام فإنّ من الصعب جدّا على ايران ان تستمرّ لبنانيّا وعراقيّا بالنهج ذاته كما لو أنّ حلقة الوصل الأساسيّة من حلقات الهلال لم تسقط.
قد تكون الأسابيع المقبلة مختلفة عمّا سبقها في الملفّ السوري، وأوّل الدلالات سينتج عن الفشل المحكم لفريق عمل المراقبين الذي أصيب أحد اعضائه أمس بنيران الأمن السوريّ، وعند التحقّق من هذا الفشل لن يكون صعبا إحالة الملفّ الى مجلس الامن الدولي الذي بدأ يبحث بشكل وطبيعة القرار الذي سيصدر، وهذا البحث ينطلق من حتمية إيجاد صيغة لحماية المدنيّين سواء كانت عبر إنشاء منطقة عازلة او عبر فرض حظر جوّي.
وتتحضّر عواصم القرار في المنطقة للتعامل مع مرحلة انتقاليّة لا أحد سيكون قادراً منذ الآن على رسم صورتها، وتجهد إحدى هذه العواصم (الرياض) للإسراع بتركيب عناصر استراتيجيّة لمرحلة جديدة تصلح للرؤية عن بعد، قبل أن تداهم التطوّرات صانعي القرار، ويبقى المجهر مصوّباً على محور ممتدّ من بغداد الى دمشق فبيروت، على اعتبار أنّ التغيير في دمشق سيترجم بشكل آلي في العراق ولبنان.