#adsense

العاصفة ستهبّ من مكان آخر

حجم الخط

لن يكتب للمبادرة العربية نجاح في حلّ الأزمة السورية، ولن يخرج المراقبون من دمشق إلّا كما دخلوها، على وقع الدم والدمار، لأنّ مجموعة من العوامل المتشابكة حوّلت المسألة السورية من نزاع داخل سوريا، إلى نزاع إقليمي- دولي على سوريا.

أولاً: إنّ النزاع الداخلي بات نزاعاً مصيرياً بين الحياة والموت، سواء بالنسبة إلى النظام أو بالنسبة إلى معارضيه، حيث لا مكان لتسوية، ولا تعايش، ولا حوار بينهما على اقتسام السلطة.

ثانياً: إنّ النزاع الإقليمي على سوريا لم يعد سرّاً، خاصة بعدما حسمت سوريا قرارها بعدم فك تحالفها مع إيران، سواء لعدم رغبتها أو لعدم قدرتها، وبالتالي لم يعد أمام الولايات المتحدة والسعودية وتركيا وحلفائها سوى الانقضاض على النظام في سوريا بطريقة أو بأخرى، بهدف تصحيح الخلل في ميزان القوى الاستراتيجي المائل لمصلحة إيران في المنطقة.

ثالثاً: إنّ النزاع الدولي على سوريا ليس محصوراً في مجلس الأمن، فالمصالح الروسية تعاكس ما يخطط له الغرب لمستقبل سوريا. لهذا وقفت موسكو في مجلس الأمن إلى جانب النظام السوري ولم تبد أيّ مرونة حتى الآن للتخلي عن دعمه. فروسيا وإن كانت لا ترغب في معاداة 17 أو 18 دولة عربية من أجل سوريا، إلّا أنّها تريد ضمان بقاء قاعدتها البحرية في ميناء طرطوس، وتأمين استمرار مبيعات الأسلحة الروسية المقدّرة بين 2 و3 مليار دولار سنوياً للحكومة السورية، كما أنّها غير متحمّسة لوصول المتشدّدين الإسلاميين إلى السلطة، وتحوّل الربيع العربي إلى ربيع أصولي، ما يهدّد الأمن القومي الروسي في حال امتداده إلى الجمهوريات الإسلامية في روسيا ولا سيّما في الشيشان.

إلى هذه العوامل والعناوين الكبرى التي تجعل من مهمّة المراقبين العرب تفصيلاً صغيراً وبمثابة محاولة معالجة مرض خطير بكبسولة دواء لوجع الرأس، يبدو أنّ البروتوكول بين الجامعة العربية ودمشق قد أجهض قبل المباشرة به.

فالحديث عن 150 مراقباً بعدما كان 500، يؤشر إلى عدم جدّية، لأنه رقم هزيل لا يفي بالغرض. وعلى سبيل المثال، بلغ عدد مراقبي "منظمة الأمن والتعاون في أوروبا"، عام 1998 في كوسوفو، وفي منطقة مساحتها نحو عُشر مساحة سوريا، 2000 مراقب. كما أنّ تسمية اللواء محمد أحمد مصطفى الدابي رئيساً لبعثة المراقبين إلى سوريا، لم تكن موفّقة، بعد ما جرى في دارفور، حيث تولى التنسيق بين الحكومة السودانية وقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.

هذا في الشكل، أمّا في المضمون، فإنّ بعثة المراقبين سيكون لزاماً عليها الحصول على إذن من السلطات السورية قبل القيام بأي مهمّة، ما يعني أنّها لن ترى ما لا يريد النظام لها أن تراه، ولن تسمع ما لا يريد لها أن تسمعه، ولن تذهب الى حيث لا يريدها أن تذهب.

إلّا أنّ هذه الجولة لن تمنح دمشق أكثر من بعض الوقت، لأنّ مهمّة المراقبين ليست إلّا تمهيدا لمرحلة جديدة يتمّ فيها تدويل الأزمة السورية، وان العاصفة ستهبّ من مكان آخر، ولأنّ المراقبين ليسوا أكثر من لاعبي احتياط يملأون الوقت بدل الضائع.

في هذا الوقت، تشدّد واشنطن حصارها المالي على النظام السوري وتتخذ الإجراءات ذاتها التي مارستها على ليبيا وتونس ومصر، وتتعامل معه على أساس انه بات يشكّل تهديداً للأمن القومي للولايات المتحدة والأمن الدولي، حسب تقرير لـ "مكتب شؤون الإرهاب والاستخبارات المالية" الذي تتمثل مهمّته في توجيه سياسة الخزانة الأميركية والمهام التنفيذية والتنظيمية والاستخباراتية لقطع خطوط الدعم المالي لمن يهددون الأمن القومي وملاحقة أولئك الذين يدعمونهم. ومن هنا تأتي التحذيرات الأميركية للمسؤولين اللبنانيين لتجنب الانزلاق في الربط مع الوضع السوري والتعرّض للملاحقة.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل