#adsense

مفهوم الدولة التسلّطيّة

حجم الخط

في هوامش النّظام العالمي نسق ينتمي إليه شكل الحكم في بعض الدول والبلدان، تختلف تسمياته منها: الحكم التسلّطي والدولة التوتاليتارية والحكم الديكتاتوري الفردي وحكم العشيرة أو العائلة أو الحزب الواحد أو حزب القائد أو الأوتوقراطية. غير أنّ التسميات جميعا تتقاطع في توصيف واحد هو الأستبداد.

إنّ البارز الأوّل في الدولة التسلّطيّة هو التماهي التام بين الدولة وبين السلطة الممسكة بزمامها، أي تحويل الدولة من شكل سياسي يعبّر عن الوجود المجتمعي الى "ملكيّة" قهرية تجعل ما يسمّى مؤسّسات الدولة مجرّد امتداد عضوي لهذه الملكية، ذلك لأنّ بناء الدولة قائم على هرميّة أساسها الولاء الشخصي وحده. وبذلك تتطابق حدود السلطة وحدود الدولة، فيغدو الشعب مادة للقهر والنهب، ويتمادى الحاكمون في احتكار مصادر القوة والثروة وفي امتصاص قدرات المجتمع المدني، وفي جعل قطاع الدولة أقطاعا جديدا، وفي ممارسة ضروب الغلبة والقمع والأرهاب المنظّم. من هنا كانت الدولة التسلّطية نموذج الأستيلاء التام على الشعب.

إنّ البيئة المهيمنة في الدولة التسلّطيّة هي بيئة المجتمع الجماهيري ذي الثقافة الموجّهة، هذه الثقافة الممدمكة على الولاء المطلق أو الغريزي الذي يسهّل إعادة إنتاج نمط الحكم التسلّطي الوراثي أو النمط "السلطاني". وبقدر ما يظنّ الشعب نفسه مدموجا في الدولة بقدر ما تكون علاقته بالسلطة علاقة إقصاء وتهميش. فالسلطة تمارس معه آلية تناقضيّة، فمن جهة هي تعمل على احتوائه بصفته الأقتصادية والعددية والتنظيمية، ومن جهة ثانية تعمل على إقصائه بصفته السياسية. وبالتالي، التسلّط يسعى الى الأحتكار الفعّال لمصادر القوّة في بيئته الحاضنة، من دون أن يجتهد لتقديم رعاية لشعبه أو يساهم في تحقيق رفاهيّته أو حقوقه. لذلك عمد بعض السوسيولوجيّين الى اعتبار الدولة التسلّطية حالة رأسمالية مقنّعة لها نسقها الخاص ونظام القيم المرتبط بها.

أمّا البارز الثاني فهو عمل السلطة على تفكيك بنية المجتمع لأعادة تركيبها على نحو يمكّنها من اختراق هذه البنية، لتحريكها أو لشلّها، تبعا للمصلحة العليا التي تراها السلطة لنفسها. وهذه صيغة نازيّة أو فاشيّة استولدتها الدولة التسلّطية لاستكمال هيمنتها أو إمساكها المطبق بمفاصل الحالة الجماهيرية. إنّ هذه الحيثية الشمولية التي تذكّر بالأتحاد السوفياتي البائد، أسّست لحال الركود في المجتمعات التي يتسيّد عليها الأستبداد والتسلّط. من هنا وضعيّة التحصين في وجه ثقافة الديمقراطية والتعددية وأشكال الوجود الحرّ والشعور بالمواطنية الذي عملت الدولة التسلّطية على قهره تحت تعميم الشعور بالرعوية، فأجهضت بذلك عمليّة تحوّل الفرد من رقم تابع ممتثل الى عضو فاعل في بنية الدولة. وأكثر ما ينطبق على حالة الأفراد الأرقام في علاقتهم بالسلطة ما قاله الضبّاط الأحرار بعد ثورة 1952 في مصر، وما جعلته السلطات الأستبدادية عنوانا أبديا لها: "إننا نضع أنفسنا تحت تصرّفك يا سيادة الرئيس، ولك أن تتصرّف بنا كما تشاء".

أمّا البارز الثالث فهو "تخويف" المواطن من الحريّة. وفي ذلك انقلاب على مسيرة التقدّم التي وجهتها الدائمة أماميّة، أذ الحريّة وحدها تكفل انتقال الشعوب الى عصور التنوير. وقد عمد المتسلّطون الى تعميق حالة الكره والرفض لكل ما يخالف ديكتاتورياتهم، ما دمّر بنية الأنسان نفسها التوّاقة الى الحياة الحرّة، فأوصد هذا الأنسان بيديه منافذ النضال الى الحرية، ووضع نفسه في حالة عدائية معها. لأنّ السلطة المستبدّة لم تره من محاولات الشعوب لتحرير نفسها سوى الاستغراق في الفوضى والفساد والجريمة وغياب العدل، حتى بات المواطن مقتنعا بأنّ الأمان لا يتحقّق إلاّ في ظلّ هذا النظام الأستبدادي المتسلّط، وراح يردّد مع القائل: "جور بني مروان ولا عدل بني العبّاس". وقد عمّق هذه العدائية للحريّة في النفوس ردّات الفعل الأرهابية القامعة التي واجه بها أصحاب السلطان التسلّطي انتفاضات الشعوب المطالبة بالكرامة والعيش الحرّ وتقويض الأحاديّة المطلقة، فعامت مساحة الأوطان على برك الدمّ التي بخّرت روح الثورة.

ويبقى السؤال: هل يستمرّ العرب أسرى مقولة إبن خلدون "بأنّ آفة العرب الرئاسة"، فيتحوّل ثوّار اليوم الى مستبدّين جدد؟

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل