كتب علي العرب في صحيفة "الجمهورية": تحرص موسكو على التعاطي مع الملفّ السوري بتأنٍّ مُلفت، وتتحاشى الانزلاق إلى تصريحات قد تضرّ بمسعاها، وبرؤيتها للمعالجة. فمشروع القرار الذي تقدّم به المندوب الروسي فيتالي تشوركين قبل أسبوعين إلى مجلس الأمن الدولي، حاول أن يوازي بين السلطة والجموعات المسلّحة، فوزّع على الطرفين مسؤوليّة أعمال العنف، وإن كان قد حمل دعوة صريحة إلى نظام الرئيس بشّار الأسد بضرورة حماية المدنيّين.
وما تسلّح به مشروع القرار، الذي هو مشترك مع بكين، أنّه يدعو إلى تبنّي المبادرة العربية أساساً للحلّ في سوريا، وهو بذلك لا يتناقض مع الدعوة إلى عدم التدخّل الخارجي في سوريا، بل يتمسّك بعدم التدخّل، مستشهداً بذلك في المثال الليبي والنتائج التي آل إليها.
ووراء المواقف المعلنة ثمّة حسرة روسيّة من أنّ التحالف الغربي قد "غدر" بمصالح روسيا في ليبيا، بحيث أنّ موسكو وجدت نفسها خارج دائرة اقتسام المغانم، ولا تريد، بالتالي، أن يتكرّر الأمر عينه في سوريا التي تربطها بها علاقات قديمة وتقليدية ومتشعّبة تكاد تطال مختلف أوجه النشاط، الاجتماعي منه والرسمي، من عشرات آلاف الخرّيجين من المعاهد العليا السوفياتيّة – فالروسيّة لاحقاً، وهؤلاء منخرطون في دورة الحياة من المهن إلى الكادر التعليمي والأكاديمي، وكذلك في مؤسّسات الدولة، ناهيك عن الكادر العسكري الذي جلّه الأعظم تلقّى التدريب ودورات الأركان وغيرها في المعاهد العسكريّة الروسية. إذاً يكاد الارتباط يكون عضويّاً، على هذا المستوى على الأقلّ، من دون أن ينسحب الأمر ميكانيكيّاً على السياسة.
إذا كانت هذه هي الأرضيّة التي تبني موسكو موقفها عليها من الأزمة السوريّة، على ما تؤكّد مصادر رفيعة المستوى في الخارجية الروسية وعلى احتكاك مباشر بالملفّ السوري على مدار الساعة، فإنّ هذه المصادر، ولدى سؤالها عن حقيقة الأنباء عن زيارة نائب الرئيس السوري فاروق الشرع إلى موسكو، تكتفي بالتمسّك بالبيان الصادر عن الخارجيّة الروسيّة الذي
ينفي هذه الشائعات. لكنّها تؤكّد في المقابل على ما قاله الوزير سرغي لافروف، مرّتين خلال أسبوعين، إزاء ضرورة اعتماد الجامعة العربية مع سوريا النفَس ذاته الذي اعتمده مجلس التعاون الخليجي مع اليمن والرئيس علي عبدالله صالح. فتسأل هنا: أيعني ذلك في الحالة السورية ، تحديداً، إعطاء مهلة للتنحّي؟ فيأتيك الجواب: على الجامعة أن تحلّ هذا الأمر مع النظام كما مع المعارضة السوريّة.
أمّا بشأن زيارة الشرع، واحتمال حصولها من عدمه، فتذكّر المصادر عينها أنّ موسكو كانت في انتظار الشرع قبل أسبوعين، بناء على طلب من دمشق. لكنّه تخلّف في اللحظة الأخيرة، وتسوق المصادر الذريعة السوريّة لإلغاء الزيارة من دون التعليق عليها "الأصدقاء السوريّون قالوا إنّهم منهمكون في النقاش حول القرار بشأن الموافقة على بروتوكول الجامعة العربية".
لكن ما نمي في حينه أنّ الشرع كان مستعجلاً آنذاك في زيارة موسكو من أجل ثنيها عن تقديم مشروع القرار الروسي إلى مجلس الأمن الدولي كونه يتضمّن تبنّياً للمبادرة العربية إزاء سوريا، في حين أنّ الروس كانوا في وارد إبلاغ دمشق بأنّ عليها القبول بالمبادرة أو المخاطرة بخسارة استمرار موسكو بالوقوف إلى جانبها، فروسيا "ليست محامي السوريّين" على ما قال لا فروف حينه.
والآن ومع تجدّد الحديث عن أنّ الشرع قد زار موسكو، فقد اكتفت الخارجية الروسيّة ببيان يدحض تلك التسريبات الصحافيّة، ولم تشأ مصادر الوزارة أن تضيف على الموقف الرسمي المعلن.
بيدَ أنّ مصادر متقاطعة، قريبة من دائرة القرار في موسكو، كشفت أنّ زيارة نائب الرئيس السوريّ قد تمّت فعلاً إلى موسكو قبل بضعة أيّام (في نهاية الأسبوع ما قبل الماضي)، وأنّه استمع إلى عرض كانت موسكو أعدّته لزيارته السابقة التي ألغيت قبل أسبوعين، ويتمثل في تأمين انتقال للسلطة في سوريا، يشمل مغادرة الرئيس بشّار الأسد الحكم محصّناً بضمانات له ولأفراد حكمه، تكفلها موسكو أمام المجتمع الدولي، على أن يتولّى نائبه الشرع مهام الرئاسة لفترة انتقاليّة تتحدّد مدّتها من خلال حوار بين السلطة والمعارضة، يتمّ في نهايتها انتقال سلِس للسلطة، مع تجنيب البلاد مخاطر التدخّل الخارجي وتدويل الأزمة.
وتضيف المصادر عينها أنّ هذا العرض حمله الشرع الى القيادة في دمشق، وأنّ موسكو في انتظار الجواب، وإن كانت ليست واثقة تماماً من أنّ الردّ سيكون بالإيجاب، على رغم أنّها حذّرت ضيفها من أنها لن تكون قادرة بعدُ على منع سير الأزمة نحو التدويل.