#dfp #adsense

لا تناقض بين الأولويتين السيادية والتمثيلية

حجم الخط

يسعى أصحاب النوايا الحسنة والصادقة في قوى 14 آذار لإيجاد المخارج الملائمة التي تطوي صفحة التباينات الداخلية الناتجة عن تبني اللقاء الماروني لـ "الاقتراح الأرثوذكسي"، اعتقادا منهم أنّ أولويات المرحلة الراهنة تتطلب المزيد من الوحدة والتكاتف لمواجهة تداعيات الأزمة السورية وتوفير الانتقال السلس والهادئ لما بعد سقوط النظام السوري والدخول صفا واحدا في حوار مع "حزب الله" حول سلاحه بما يضمن عودة الحزب إلى المشروع اللبناني تحت عنواني "لبنان أولا" و"الدولة أولا"، وعدم الإفساح في المجال أمامه لاستغلال أي تباينات يستفيد منها لإدامة هذا السلاح، أو تضييع، بالحد الأدنى، الفرصة التي تتيحها اللحظة السياسية المتمثلة بهذا التحوّل التاريخي…

ولكن عوضا من مبادرة أصحاب النوايا الصادقة أنفسهم إلى نقل الاقتراح من الإطار الماروني إلى الإطار الـ 14 آذاري كمقدّمة للشروع في حوار جاد وتفصيلي ليس حيال الهواجس المسيحية، وهي هواجس محقة، إنّما حيال اتفاق الطائف وضرورة تطبيقه في معادلته الأساسية المتمثلة بالمناصفة المسيحية-الإسلامية، الأمر الذي حالت دونه ظروف ما بعد العام 2005، وهي ظروف من طبيعة موضوعية وأخرى ذاتية، عمد هؤلاء إلى القفز فوق المشكلة الأساسية إلى معادلة شكلية تفتقر إلى الدقة والتوازن وحتى الصحّة وفحواها أنّ الرئيس سعد الحريري رد الجميل إلى الدكتور سمير جعجع بتفهّمه "المزايدات من أمامه وخلفه وعن يمينه ويساره" التي أملت عليه تبني الاقتراح الأرثوذكسي، على غرار تفهّم جعجع للحريري عندما اضطرته "المزايدات الخارجية السير عن غير اقتناع في المعادلة التي سمّيت بـ "السين – السين".

وبمعزل عن هذه المقارنة غير الجائزة التي تساوي بين الالتزام بمسعى خارجي وبين الالتزام بالدستور، وبمعزل أيضا عن التجربة السيئة الذكر نفسها التي عرفت بـ "السين – السين" وتداعياتها وذيولها إلى اليوم، تتجاهل المعادلة المطروحة مسألة أساسية تنسفها من أساسها، وهي أنّ الحريري الذي سار عن غير اقتناع في التسوية السورية-السعودية لضرورات لها علاقة بالاستقرار وشراء الوقت، يختلف عن جعجع الذي تبنى الاقتراح الانتخابي عن قناعة تامة وراسخة، ويكفي في هذا السياق العودة إلى الصحف الصادرة عقب اللقاء الماروني للتدليل على الدور الذي تولّاه في الدفاع عن مضمون الاقتراح المذكور بهدف ترجمة مبدأ الشراكة والمناصفة بالتفاهم بين مختلف أفرقاء الوطن، وبالتالي الهروب إلى الأمام أمر غير مفيد، إنّما المطلوب هو المبادرة، كما جاء في بيان تكتل "المستقبل"، من أجل الوصول إلى مقاربة مشتركة لقانون الانتخاب.

التحوّلات السياسية التي تجتازها المنطقة لا تتطلب من يستشرفها، فهي واضحة وضوح الشمس، وهي إن دلّت على شيء فعلى أنّ لبنان يقف على مفترق طرق مصيري، على غرار محطتي الطائف والاستقلال الثاني، ما قد يعيد خلط الأوراق والملفات، وإذا كانت ظروف العام 1989 بكل ملابساتها (حروب عسكرية وانقسامات وطنية ومسيحية ومساع دولية وعربية وضغوط نفسية…) حالت دون إقفال الثغرات في "وثيقة الوفاق الوطني"، أو توضيح الالتباسات ومنها كيفية "تحقيق التساوي بين المسيحيين والمسلمين"، فإنّ تسارع الأحداث عشية انسحاب الجيش السوري وبعده، فوّت للمرة التالية على التوالي فرصة تطبيق اتفاق الطائف، ولكن ما كان يصحّ في محطتي 1989 و2005 لم يعد ينطبق على الواقع الحالي، لأنّ القوى المسيحية على اختلافها استعادة وزنها وحجمها وتأثيرها، وهي عدا عن كونها حاجة لطرفي الصراع "حزب الله" و"تيار المستقبل"، لأنّ ابتعاد عون عن الحزب يرجّح كفة "المستقبل"، كما ابتعاد "القوات" و"الكتائب" عن "المستقبل" يرجّح كفة الحزب، فإنّ ثمة قناعة لدى قياداتها بضرورة التمييز بين الصراع السياسي والصلاحيات الدستورية للمسيحيين، وهي لا تشذّ في هذا المجال عن الطائفتين السنّية والشيعية.

فالرئيس نجيب ميقاتي الذي أتى بأصوات 8 آذار بدا متمسّكا بصلاحيات رئاسة الحكومة أكثر من سلفه الحريري، كما أنّ الثنائية الحزبية الشيعية تحاول مدّ نفوذها على كلّ الدولة ومؤسّساتها ولا يقتصر موقفها على رفض التفريط بما منحها إياه الطائف من صلاحيات، وبالتالي لا يجوز أن تُحّمَل الطائفة المسيحية وحدها "وزر" قيادة مشروع الدولة المدنية في ظلّ بيئات طائفية تدعو شكلا إلى قيام هذه الدولة، في الوقت الذي تعمل ضمنا على ترسيخ نفوذها الطائفي داخل البنيان الدولتي.

إنّ أولوية استعادة السيادة اللبنانية لا يفوقها أولوية، وسيبقى الصراع مفتوحا على أشدّه مع كلّ القوى التي تريد إبقاء لبنان ساحة لا وطن، كما سيبقى التحالف على أشدّه مع كلّ القوى التي تريد إعادة لبنان بلد طبيعي بعيدا عن المقاومات الهدّامة التي دمّرت لبنان منذ العام 1969 إلى اليوم، ولكن هذا شيء وتحقيق معادلة الطائف بالمناصفة الفعلية شيء آخر، لأنّ الحق هو حق، وكما لا يجوز انتهاك السيادة فلا يجوز انتهاك الحقوق، وبالتالي بانتظار أن تستوي فكرة الدولة المدنية التي على المسيحيين الدفع باتجاه تسويقها وإرسائها، يجب إعادة تجسيد تطلعات الجماعات اللبنانية داخل النظام وتطمينها، هذه الوظيفة التي كان يفترض بالطائف توفيرها، غير أنّ الوصاية السورية حالت دون ذلك، وفي الانتظار لا بأس من إطلاق النقاش السياسي في الإعلام لا إبقاءه في الغرف المقفلة في ظلّ وجود نظريات تقول بأنّ حجم المسيحيين لا يتجاوز الـ 20 في المئة ولا يجوز أن يساوي الصوت المسيحي مرة ونصف الصوت المسلم، وبالتالي لا يحق لهم بالمناصفة الفعلية…

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل