أن يستتب الأمن في الجنوب، ممنوع. وأن تبقى البيوت عامرةً في الجنوب، أيضاً ممنوع. وأن تسود الحريّات الجنوب، ممنوعٌ ممنوع. واليوم الاحتفال والفرح ممنوعٌ ومحظور!!
إنّ الناظر إلى الخارطة اللبنانية يلحظ بوضوح وجود اسم مدينة صور عليها. كما أنّ الباحث في التاريخ اللبناني يقرأ اسم مدينة صور بوضوح أيضاً .إلا أنّ عاصفةً شرقيةً هبّت حاملة معها رائحة الزعفران الإيراني والرايات الخمينية السوداء وبالتأكيد الفكر الذي لا يقبل تنوعاً ولا تعدّديّةً ولا حرية.
في أوج العاصفة تسلل السلاح ليفرض قمعاً وإرهاباً وترويعاً وليخطف مناطق لبنانية بما فيها ومن فيها فيلحقها بالثورة الخمينية ويسلخها عن واقعها وتاريخها محوّلاً إياها إلى مقاطعةٍ إيرانية.
في مدينة صور، رفع جنود نظام الملالي صوَرَ "آيات الله" الإيرانيين وأقوالهم فكأنك تسير في إحدى المناطق الإيرانية.
وفي مدينة صور وكل الجنوب تمدّدوا مسيطرين على الحجر والبشر لتسودَ حالة كمّ الأفواه ودقّ الأعناق، وحالة الهيمنة الفكرية والأمنية والعسكرية.
قرار الحرب والسلم في يدهم، أي أنّ قرار هدم البيوت الجنوبية أو بقائها في يدهم، وأي أنّ موت أبناء الجنوب أو حياتهم في يدهم، وأي أنّ تهجير أبناء الجنوب أو استقرارهم في يدهم أيضاً.
نعم في يدهم! وما يدهم إلا دميةً مربوطةً بخيوط تحركها المصالح الإيرانية، تحركها فتكسب إيران وتحقق مصالحها فيما يدفع الجنوبيون الدم والأرواح ويحصدون الدمار وأكوام الركام.
نعم في يدهم التي اغتالت المفكرين الذين تجرؤوا على معارضتهم من سهيل طويلة، إلى حسين مروة إلى مهدي عامل ومصطفى جحا.
نعم في يدهم التي خرجت من بين أكوام الدمار ونهر الدم الذي سال في حرب تموز 2006 لترفع شارة النصر!! وأيُّ نصر؟!!
أن تكون جنوبياً فعليك أن تعيش في الدمار، وأن تكون جنوبياً فعليك أن لا تستقر، وأن تكون جنوبياً فعليك أن تعيش حزناً دائماً.
أن تكون جنوبياً فالفرح ممنوعٌ عليك، الاحتفال ممنوع، الضحك ممنوع، الابتسامة ممنوعة، والمسموح فقط البكاء والحزن وجلد الذات والدعوة إلى الهدم من غير إيجاد حجر بناء واحد.
أما هذه السنة، فمدينة صور، مدينة البحر والتنوّع والثقافة، مدينة التاريخ العظيم، فممنوعٌ عليها أن تودّعَ سنةً لتستقبل سنةً جديدةً بفرح ملؤه الأمل بمستقبل أفضل.
مدينة صور أرادوا لها أن لا تستقبل سنةً جديدةً، يتمنون لو يستطيعون إيقاف الزمن منعاً لازدياد حال التدهور الذي يعيشونه سوءاً. يتمنون لو يستطيعون إيقاف الزمن فلا تأتي سنةٌ جديدةٌ يخسرون فيها نظام الأسد الحليف لهم.
مدينة صور، لا تحزني، فإن احتفالاً كبيراً ننتظره وإياكِ.
احتفالٌ يعيدك إلى لبنان، يعيدك لبنانية.
مدينة صور… كل عام وأنت بخير…
مدينة صور… لبنانية لا إيرانية.