#adsense

لبنان البوعَزيزي… والشعب العنيد! – (بقلم فاديا سمعان)

حجم الخط

لو أتانا عرّاف مطلع العام الماضي ليخبرنا بكل ما سيشهده العالم (والعالم العربي بشكل خاص) في خلال العام 2011 من ثوراتٍ شعبية وتغييرات سياسية وسقوطِ أنظمة ورحيلِ ونفي وسجنِ زعماء معّمرين، لكنا جميعاً غرقنا في الضحك على "المزحة السّمجة" لذلك العرّاف. فمن منا قد يتخيل أن تجري مثل كل تلك الحوادث في عام واحد؟

ولو أتانا ذلك العرّاف نفسه ليخبرنا بأن "لبنان ثورة الأرز" سيسير في الاتجاه المعاكس لمسيرة الشعوب العربية، فهل كان أيٌ منا ليأخذَ تلك النبوءة بعين الاعتبار؟

ما يشهده العالم العربي منذ قرابة العام لم يقرره سياسيون ولم يخطط له انقلابيون أو ما شابه، بل هو تحرك شعبي، عفوي ومفاجئ، باغت الأنظمة الديكتاتورية، فأفقدها توازنها؛ منها ما سقط ومنها ما أصيب بالجنون فأسقط نفسه في بحر دماء لا رجعة منه. وكل الحكاية بدأت بصفعة الشرطية التونسية فادية حمدي على خدّ بائع الخضار المتجول محمد بوعزيزي، مما قد يؤهل تلك الشرطية لحمل لقب شخصية العام 2011 ومفجّرة شرارة الثورات العربية. فلقد جاءت صفعتها كنقطة الماء التي طفح بها الكيلُ، ففاضَ بما حوله… وكجزءِ الثانية الذي انطلق به منبّهُ الاستيقاظِ من النوم، فدوّى وصمّ الآذان.
إنما… هذا في العالم العربي. ولكن ليس في لبنان!

فلبنان "ثورة الأرز" ولبنان "الكرامة" ولبنان "الشعب العنيد" الذي لا يسكت على حق ولا يرضخ لباطل بات وحدَه يسيرُ عكسَ التيار ويُحيي ما يُميتُه ثوارُ العرب…

الشرطية فادية حمدي هي رمز الأنظمة المستبدة… القمعية… المسيطرة على الحكم وعلى الطبقةِ السياسية ومرافق الدولة وثرواتها وأحلامِ شبابها وأنفاسِ بَنيها…

هي سنواتُ الحكمِ الأوحد لبن علي ومبارك والقذافي وآل الأسد وغيرهم من رؤوس الأنظمة المتحكمة بقرارات شعوبها…
هي نظام الطوارئ والاعتقال السياسي والقوانين العوجاء والقضاء الممسوك وإعلام الدكتيلو ومجالس الريموت كونترول…

هذه هي تلك الشرطية وما تمثله للشعوب الثائرة. أما محمد بوعزيزي، فهو رمز المواطن العربي الضعيف والرخيص الذي أيقظت فيه "صفعةُ امرأة" رجولتَه التي كانت مدجّنة لتتكيّف مع الحياة في ظل الحكم الأوحد، فأحرقَ نفسَه وأحرقَ معه كراسيَ الاستبدادِ والظلمِ وأنارَ طريقَ الحرية أمام شعوبِ العرب البائسة.

إنما… ما ينطبق على العالم العربي اليوم لا يسري على "مَنبِتِ الرّجال"!
فلبنان برم به دولاب الزمن إلى الوراء، وبدأت تظهر فيه بوادرُ سلطةِ الحكمِ الأوحد المتحكمِ بالقرارات والمسيطرِ على الحياة السياسية بقوة السلاحِ والعملِ الاستخباراتي واللسانِ السليط، كما برجالِ اللباس الموحّد الجاهزين للتدخّل عند أيّ مفترق طريق فيغيرون نتائج الانتخابات النيابية ويقلبون المعادلات، فيُسقطون حكومةً تعارضهم ويشكلون أخرى تطبّق تعليماتِهم بلا تلكؤ.

فهل أصبح اللبناني اليوم نسخةً عن محمد بوعزيزي قبل الصفعة؟
وهل سيغرق "بلد الارز" في بحر الصمت والانتظار حتى يُصفَعَ "بوعزيزي" فيه، فيسبح إلى السطح بحثاً عن الأوكسيجين؟

وهل سيستغرق "بوعزيزي لبنان" في النوم أربعين عاماً قبل ان تستفيق فيه الرجولة فيحرق نفسه ليوقظ النيام؟
تساؤلاتٌ ليست برسم "العرّافين"، بل هي برسم "العارفين" الذين – على ما يبدو – أدركهم الصباح، فسكتوا عن الكلام المباح… وذهبوا إلى النوم!

المصدر:
صوت الحرية - ميشيغن

خبر عاجل