إنها قضيةُ أهالي المعتقلينَ والأسرى والمفقودينَ، المعتصمينَ في وسطِ بيروتَ منذ ستةِ أعوام. إنهم الأهالي الذينَ أبَوا أن ينسَوا الآباءَ والأزواجَ والإخوةَ والأبناء. إنهم الذينَ ما زالوا يدفعونَ ثمنَ الحربِ ومآسيها بعدَ مرورِ واحدٍ وعشرينَ عاماً على نهايتِها.
كثيرونُ في الحربِ فَقَدوا عزيزاً، لكنهم دفنُوهُ وصلَّوا على روحه وتابَعوا حياتَهم. أما هؤلاءِ فلا يَعرفونَ مصيرَ أحبَّائِهم وأقربائِهم ويَعيشونَ مشدودينَ بينَ املِ اللقاءِ وقلقِ الفُراق. لا يستطيعونَ الاستمرارَ، ولا يستطيعونَ النسيان. فكيفَ تنسى زوجةٌ تركَها حبيبُ قلبِها ووالدُ طفلِها في ربيعِ العمرِ بحثاً عن فرصةِ عملٍ خارجَ لبنان، ولم يصلْ الى المطارِ منذُ ستةٍ وعشرينَ عاماً؟ ماذا تقولُ لابنِها، أنْ انسى أباكَ الذي اختُطِفَ فيما هو يُحاوِلُ تأمينَ لقمةِ عيشِنا؟ ماذا تقولُ لقلبِها أنْ انبضْ بحبِّ رجلٍ آخر بما أنَّ حبيبَ العمرِ مجهولُ المصير؟ وتلكَ التي اختُطِفَ والدُها من مركزِ عملِهِ في الأمنِ الداخليِّ في ما كانَ يُسمَّى ببيروتَ الغربيةِ، وهي في ربيعِها السادسِ، كيفَ تنسى قضيةَ مَنْ وَهَبَها الحياةَ والحبَّ والحنان ؟ والأمُّ التي اختُطِفَ بِكرُها، هل تقلُبُ صفحةَ مصيرِهِ المجهولِ لمجرَّدِ أنَّ الآذانَ صُمَّتْ عنْ سماعِ نداءَاتِها ؟ لو يَعرفُ هؤلاء وكذلك الآخرونَ مصيرَ أهلِهم، لكانَ ذوو الموتى دفنوا موتاهم وصلَّوا لراحةِ أنفُسِهم وأكمَلُوا حياتَهم، ولكانَ ذوو الأحياءِ اعتصموا بحبلِ الرجاءِ، ساعينَ جهدَهم لتحريرِهم.
بربِّكم قولوا لي أيُّ منطقٍ أو قانونٍ أو دينٍ يقبلُ أن يعانيَ إنسانٌ طوالَ عشراتِ السنين دونَ أنْ يُقابِلَ أهلَه أو أن يَعرفَ عنهم شيئاً، ودونَ أنْ يُحاكَمَ ويَعرِفَ مدةَ حُكمِهِ، ودونَ أنْ يَتمتعَ بحقوقِ السجناءِ التي نصَّتْ عليها القوانينُ والأعرافُ الدولية؟ بل أيُّ منطقٍ يُجيزُ معاقبةَ أقرباءِ المُعتقلِ أو السجين؟ قولوا لي لماذا على الأمِ والأبِ والزوجةِ والأختِ والأخِ والإبنِ والإبنةِ أن يعيشوا هذا العذابَ الذي لا يُطاقُ، وبأيِّ ذنبٍ ولأيِّ هدف ؟
إذا تأخَّرَ ابنُ أحدِنا في العودةِ الى البيتِ قليلاً، تملَّكَنا القلقُ والخوفُ وفارقَ النومُ أجفانَنا… فكيفَ بأهلِ مَن ذهبَ الى المدرسةِ ولم يَعُدْ أو الذي قَصَدَ الى عَمَلِهِ ولم يَصِلْهُ أبداً؟ كيفَ لهم أن يُكمِلوا حياتَهم بهذِهِ البساطة؟
غريبٌ الا يؤرقَ راحتَنا اعتصامُهم ؟ غريبٌ الا نستحيَ من كونِنا نسَينَاهم؟ فلو حصلَ الشيءُ عينُهُ معنا، هل كنا لنُسرَّ بإشاحةِ الطَّرفِ عن قضيَّتِنا؟
إنها صرخةٌ برسمِ الضميرِ الإنسانيِّ نُطلِقُها من أجلِ مساعدةِ هؤلاءِ الأهالي على معرفةِ مصيرِ ذوييهم، ووضعِ حدٍّ لمأساتِهم.
إنَّ استمرارَ السكوتِ عن هذه المعاناةِ المُستدامةِ، يُرَتِّبُ مسؤوليةً على كلِّ واحدٍ منَّا تجاهَ ضميرِهِ وتجاهَ ربِّهِ وتجاهَ الناسِ والتاريخ.