التاريخ لا يعيد نفسه بالتأكيد، لكن أنظمة بعض الدول تستنسخ تجارب سابقة فاشلة قامت هي نفسها بهدف التخلص منها، فأمعنت في تكرارها بكل مساوئها ومخاطرها. مدعاة هذا الكلام المناورات البحرية الضخمة التي تجريها إيران حالياً في الخليج العربي بهدف اختبار القدرة على السيطرة على الملاحة في مضيق هرمز، والتي أرفقتها بتهديدات بوقف تدفق النفط عبر الخليج في حال تعرضت صادراتها النفطية لعقوبات.
وكانت المناورات نفسها والتصريحات التي صاحبتها، اظهرت ان هذا الاحتمال المتهور بإغلاق المضيق وارد بالنسبة الى طهران ويتم التحضير له في اطار خططها للمنطقة اذا ما قرر نظامها استخدام هذه الورقة الخطرة في مواجهته مع المجتمع الدولي حول الملف النووي.
وكأن قادة ايران الذين يكدسون ترسانات الصواريخ ويصدرونها، وينفقون مبالغ هائلة على بناء آلة الحرب واسلحتها المختلفة، ويصرون على عسكرة المجتمع الايراني عبر الميليشيات والتنظيمات المسلحة المتناسلة، ويرهقون كاهل مواطنيهم بالتقشف والقمع واجهزة الاستخبارات المتعددة، نسوا ان نظام الشاه من قبلهم كدّس أيضاً الأسلحة والترسانات وكان يملك أحد أقوى الجيوش التقليدية في العالم، وأحد أكبر اجهزة الاستخبارات وأكثرها فتكاً، وسعى الى فرض سطوته على الخليج، لكن ذلك لم يحل دون انهياره وزواله عندما انتفض شعبه ضده، ولم تفده الدبابات ولا الغواصات والسفن الحربية وتقارير المخبرين.
وبعد اكثر من ثلاثة عقود على الثورة، وصل نظام «آيات الله» الى ذورة الفشل في الداخل والخارج، فإيران اليوم معزولة بشكل شبه كامل، وتخضع لعقوبات اقتصادية ومالية وسياسية خانقة، ولولا الصلات ببضع أنظمة تعاني شعوبها من الحال «الثورجية» نفسها أو تحتاج الى النفط والغاز الايرانيين، لأمكن القول ان ايران مقطوعة عن العالم مثل كوريا الشمالية.
وعلاقات طهران بدول الجوار العربية في أسوأ حالاتها، بسبب تدخلها العلني في الشؤون الداخلية لهذه الدول، وهي شكوى تتكرر في المنامة والرياض وأبو ظبي وبغداد. وكان آخر حلقات مسلسل التدخل منع فتح اعتمادات للواردات من دولة الامارات، التي قال مسؤول برلماني ايراني إنها «لا تقاوم ضغوط الاستكبار العالمي».
وحتى تركيا التي تشدد على الدور الايراني في المنطقة وحرصت على منح طهران فسحة للالتفاف على العقوبات، لم تنجُ من تهديداتها عندما قررت نشر جزء من منظومة الدرع الصاروخية المضادة للصواريخ الايرانية، دفاعاً عن اوروبا.
أما سورية، التي تعتبرها القيادة الايرانية «الجناح الثاني للثورة»، وتقدم لها كل مساعدة ممكنة للقضاء على الاحتجاجات، فيقترب نظامها بشكل مضطرد من الانهيار الذي سيشكل ضربة موجعة لطهران تجعلها تعيد النظر في الكثير من حساباتها، ويهدد ايضاً مستقبل تنظيمها اللبناني الذي يعاني من ارباكات امنية وسياسية واجتماعية متزايدة.
كل هذا فيما يشهد الوضع الداخلي الايراني فوضى عارمة، بعد ما تردد عن اكتشاف محاولة لاغتيال المرشد علي خامنئي، وحملة الاعتقالات والاستقالات التي تلت، والخلاف المستحكم بين الرئيس نجاد والمتشددين في البرلمان واحتمال الغاء منصب رئيس الجمهورية، وإحكام «الحرس الثوري» قبضته بشكل متزايد على مفاصل السلطة والاقتصاد، واحتمالات تفجر الوضع في الشارع مجدداً بين المواطنين واجهزة الأمن مع اقتراب الانتخابات البرلمانية في مطلع آذار (مارس) المقبل.
لا تجد طهران المرتبكة سوى التهديدات تطلقها يميناً ويساراً، وغير الغوغاء توجهها الى السفارات رداً على الضغوط لوقف سعيها الى امتلاك السلاح النووي، وهي في كل ذلك ترتكب الهفوة تلو الأخرى، وتعتقد مخطئة ان العالم سيظل متسامحاً مع من لا يتسامح مع نفسه وشعبه.