يتصدر الربيع العربي كل العناوين السياسية في العام 2011، فهو أبرز حدث وتحوّل سياسي ليس على مستوى المنطقة العربية فقط، إنما على المستوى الدولي أيضا، حيث بات الشغل الشاغل للحكومات الغربية، كما لمراكز الأبحاث التي وجهت القسم الأكبر من اهتمامها لدراسة خلفيات الثورات وقراءة أبعادها ومحاولة تلّمس تطورها ومؤدياتها.
لا يمكن فصل لبنان عن تداعيات الربيع العربي، خصوصا أن رياحه سرعان ما وصلت إلى سوريا وأدت إلى تجميد مفاعيل الانقلاب الذي قامت به قوى 8 آذار بالتكافل والتضامن مع النظام السوري، الذي تقصّد عن سابق تصور وتصميم تحدي الإدارة الأميركية بإسقاط الحكومة الحريرية في لحظة اجتماع رئيسها مع الرئيس الأميركي. وهذا الأمر ليس مستغربا عن طبيعة هذه الأنظمة التي تتخيّل نفسها أحيانا بأنها بمصاف القوى العظمى. أما المقصود بتجميد مفاعيل الانقلاب، ليس تشكيل الحكومة الميقاتية، إنما إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل انتفاضة الاستقلال، كما كان يسعى النظام السوري ويخطط ويأمل بالاشتراك مع "حزب الله".
فالعام المنصرم هو من الأعوام النادرة التي تبدأ الأحداث فيها باتجاه معيّن وتنتهي بالاتجاه المعاكس، حيث أن موازين القوى الإقليمية في مطلع العام 2011 كانت راجحة، لا بل "طابشة" لمصلحة ما يسمّى بالمحور الممانع وامتداداته اللبنانية، بينما هي اليوم راجحة وأيضا "طابشة" لمصلحة القوى الوطنية التي تعطي الأولوية لأوطانها، وفي طليعتها قوى 14 آذار، حتى لو أن هذا التحوّل لم يترجم بعد على مستوى السلطة، إنما يبقى في نهاية المطاف أن انهيار النظام السوري المرتقب سيعيد الأمور إلى نصابها في لبنان والعالم العربي.
ولعل أبرز الأحداث المحلية التي طبعت هذا العام بطابعها يمكن اختصارها بأربعة:
أولا- إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري وتشكيل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي مع كل ما ترمز إليه هذه الخطوة من سقوط التفاهم السوري-السعودي واستعادة سوريا لنفوذها في لبنان إلى تراجع الحضور الدولي-العربي، وما بينهما انسلاخ النائب وليد جنبلاط عن 14 آذار وانتقال الأكثرية بقوة الأمر الواقع من ضفة إلى أخرى. لا شك في أن الثورات العربية دفعت سوريا في مرحلة أولى إلى التريّث بالتشكيل بعد التأليف، قبل أن تعود وتحسم وضعها بعد أشهر إلى تكليف ميقاتي في سياق حسابات الربح والخسارة، حيث تبيّن لها أن وجود حكومة أفضل من عدمها من زاوية ما يمكنها أن تؤديه من خدمات للنظام، وهذا ما حصل ديبلوماسيا وسياسيا وأمنيا، كما تجعل القوى الحليفة لها في موقع الهجوم لا الدفاع، وفي موقع المُفاوِض لا المُفاوَض.
ثانيا- وثائق ويكيليكس وكل ما أثارته من نقاش وجدل وتفاعلات سياسية، كادت ان تؤدي إلى خلط التحالفات ورفع شكاوى قضائية، قبل أن يتبين أن القوى السياسية على اختلافها متساوية في هذا الشأن، مع فارق أن بعضها يقول في الإعلام وعلى الملأ ما يقوله أمام السفراء وفي الغرف المقفلة. إلا أن أهمية هذه الوثائق تمكن في تظهيرها بأن المشكلة الحقيقية في لبنان متأتية من "حزب الله" وسلاحه، إذ إن الحزب كان محور انتقاد حلفائه قبل خصومه.
ثالثا- استقالة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير وانتخاب بشار الراعي بطريركا، ما شكل حدثا وطنيا ومسيحيا، خصوصا أن بكركي لعبت دورا طليعيا في تهيئة المناخات الداخلية والخارجية لإخراج الجيش السوري من لبنان والوصول إلى لحظة الاستقلال الثاني. وكانت كل الأنظار منصَبّة على السياسة التي سيعتمدها البطريرك الجديد، وما إذا كان سيكمل مسيرة سلفه، أم سيعدل بهذه المسيرة. وسرعان ما ركز الراعي اهتمامه على الملف المسيحي بالدعوة إلى "طاولة" حوار مسيحية أعادت جمع الأقطاب المسيحيين على أجندة مسيحية-وطنية.
وبمعزل عن الالتباسات التي أثارتها مواقفه الباريسية من السلاح والثورات العربية، أعاد الراعي التأكيد على ثوابت بكركي لناحية حصرية السلاح بالدولة اللبنانية وحدها، هذا الموقف الذي حظي بترحيب وطني واسع. غير أن موقفه من السلاح لم ينسحب على الموقف من الثورات، وتحديدا في سوريا التي لم يكن موقفه الأخير أمام أحد الوفود السورية موفقا على الإطلاق، إذ انه قال: "أعرف ان الرئيس باشر الإصلاحات منذ شهر آذار الماضي"، و"نكرر اننا شعب واحد في بلدين متجاورين".
رابعا- القرار الاتهامي الصادر عن المحكمة الدولية الذي وجه الاتهام إلى أربعة عناصر من "حزب الله" بعد توافر مواد كافية لمحاكمتهم، كما تقديمه أدلّة كافية للانتقال إلى مرحلة المحاكمة. ولعلّ أهمية هذا القرار تكمن في إثباته أن المحكمة مستمرة، وأن لا مساومات عليها، وأنها تعمل بتوقيتها وآلياتها القضائية بعيدا عن أي تسييس تحاول الأطراف المتهمة إلباسها هذه التهمة إبعادا للشبهات عنها.
المشهد السياسي في نهاية العام مختلف تماما عمّا كان عليه في مطلعه، وهذا الاختلاف لم يعد قابلا للانعكاس، إنما سيترسّخ تدريجيا مع سقوط النظام السوري.
