#adsense

عبقرية الحرية تفجّر الربيع العربي

حجم الخط

ما كان يُصنع بالانقلابات العسكرية، وبالحملات المسلحة، وبالغزو، (بوش في العراق، انقلابات الخمسينات والستينات في العالم العربي)، ها هو اليوم يتم بالثورات السلمية. فلا غيفارا، ولا انجيل ديفيس، ولا بينوشي، ولا صدام حسين، ولا القذافي… ولا نورييغا… ليس هناك من يعمل وحده. الكل في الكل. الكل في الواحد. الواحد في الكل. لا مرشد. ولا "نبي". ولا قائد خالداً. ولا ماو تسي تونغ. ولا ستالين. إنها فاتحة القرن الحادي والعشرين ختام زمن كامل من القوة، والعنف في تغيير الأوضاع والأحوال. فمن ربيع براغ؟ نعم! ومن الثورة الطالبية في فرنسا 1968؟ نعم! وأبعد: من الثورة الفرنسية 1779؟ نعم! ومن الثورة الثانية 1848؟ نعم! كل هذا يختصره الربيع العربي المتفجر أجساداً وأصواتاً وأطفالاً ونساء. كأنما "القائد" هو الشهيد أو الشهيدة من محمد بو العزيزي في تونس "أحرق نفسه فاشتعلت الثورة" فإلى خالد سعيد في الاسكندرية (من دون أن ننسى دم الرئيس رفيق الحريري في ربيع لبنان 2005) ، فإلى أطفال درعا.. فإلى قوافل الشهداء.. فإلى سقوط أنظمة وتدحرج رؤوس طغاة في تونس ومصر وليبيا واليمن… وقريباً سوريا! وبعدها: النار تحت الرماد!

الربيع العربي كأنه اختزل تجارب كثيرة من التاريخ والواقع. وإذا كانت الاحتجاجات من 1968 في فرنسا وحتى اليوم في روسيا وايطاليا وإسبانيا واليونان ونيويورك تتم تحت سقف الأنظمة الديموقراطية، غضباً من الأوضاع الاقتصادية وهيمنة سياسة السوق والليبرالية المالية والفروقات في المستويات الاجتماعية والبطالة والفقر (البطالة في إسبانيا 26%) ومن دون الكفر بالأنظمة، فإن الثورات العربية استهدفت أولاً وأخيراً الأنظمة الدكتاتورية والاستبدادية تحت شعارات الحرية والكرامة والديموقراطية من دون أن تغفل الفساد الذي أصاب الطبقة الأوليغارشية الحاكمة، أي العائلات التي تحولت "طبقات" مستقلة، نهابة الحكم والخيرات.

فالأنظمة الديموقراطية بالنسبة إلى المنتفضين في الغرب، لم تكن مستهدفة فهم قابلون بها، على علاتها، ولكن من ضمن إصلاحات لا سيما اقتصادية… منها الحرية كانت المرشد الأول في مسيرة الثورات. "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان!". فعبقرية الحرية هي التي شقت دروب النضال والشهادة وما زالت (في ميدان التحرير ضد تحالف العسكر والإخوان). صحيح أن الثورات العربية طلعت من الأرض ولم تنزل من سماء "اليوتوبيا" ومن غيوم "الأيديولوجيا" ومن "أنبياء" الأفكار الأزلية… لكنها تبقى ذلك الشعور العميق عند الإنسان العربي بلا قيمته، بلا جدواه، وبلا جدوى المستقبل. وإن الشباب يكتشف يوماً بعد يوم بأنه يهرم في ريعانه ويهمش منذ بداياته وبأن كل شيء يسير نحو الهاوية منذ ولادتهم وترعرهم، وأنهم منفيون في شروط هذه الأنظمة. فمشاعر الاحتجاج لم تنبثق من أفكار مسبقة، أو من مقالات، أو من كتب… أو من مدارس (1968 في فرنسا، والحركات الأخرى في العالم، مزيج من الهيبي والشعر والسوريالية واليوتيوبيات!)، أو من منصات مترفة. ولأن هذه الاحتجاجات "الجذرية" طلعت من الأرض فقد فاجأت الجميع: لأن المثقفين والأدباء والسياسيين وعلماء الاجتماع والمناطقة… كانوا مشغولين باللاهوت والفقه أي بالسماء فكان مستحيلاً أن ينظروا حيث تطأ أقدامهم!

عمر الثورات العربية عام وأقل. وما حققته فائق التصور، عندما حررت الشوارع والميادين والناس من الخوف. عندما بدا أن ناسها مستعدون للموت من أجل الحرية في وقت لم يعد الغربيون مستعدين للموت من أجل قيم الحرية والديموقراطية! ولهذا، فإذا كان الثورات الغربية علمتنا في الماضي فها نحن نعلمها اليوم ثورات الحداثة، وثورات السلم… في مواجهة الطغاة وجيوشهم وشبيحتهم والمجازر (سوريا، ليبيا، اليمن، مصر). صحيح أن هناك قلقاً عند بعضهم من "صحوة" إسلامية، وصحيح أن خوفاً ينتاب الكثيرين من الفوز الساحق للإسلاميين في مصر وفي تونس وربما في ليبيا.. لكن الصحيح أن هؤلاء (أو بعضهم) وصلوا إلى السلطة عن طريق الديموقراطية (وليس عن طريق التفجيرات، والأحزمة الناسفة، والعنف والانقلابات والاغتيالات) أي أنهم مارسوا الديموقراطية المباشرة تحت سقف الدولة والقوانين. كما أن هؤلاء الإسلاميين والليبراليين واليسار اختاروا أولاً وأخيراً الاحتجاجات السلمية. صحيح أن الإسلاميين "صادروا" ثورة لم يصنعوها، وانضموا إليها لاحقاً، لكن الصحيح أيضاً أن هناك لعبة ديموقراطية باتت أساس الممارسة السياسية: تداول السلطة عبر صناديق الاقتراع. وهنا يمكن القول إن الأخوان في مصر و"النهضة" في تونس، – نجحتا لأنهما كانتا في المعارضة، وعلى مرمى الاضطهاد… إضافة إلى خبرتهما وإمكانياتهما. وعندما تصلان إلى السلطة… فالأمور ستتغير: أو تصبح الشعارات والبضاعة الابتزازية كاسدة. والتجربة والحلول والمشاكل والحكم والاقتصاد تصبح هي الممكن ولا نظن أن نسب النجاح اليوم لهؤلاء ستكون إياها في المستقبل.

من هنا، علينا أن ننتظر لكن ليس من نوع الانتظار السلبي، أو القدري. فالأحوال لن تعود إلى الوراء. والمعارضات جاهزة. وأدواتها تنضج يوماً بعد يوم.. إذ لم يعد ما تمكن تسميته "من الأبد إلى الأبد"، أو "القائد الخالد".. فعبقرية الحرية التي أحيت الميادين وألهمت الثوار وقادت الشعوب العربية… تفجرت، ولن يوقفها لا اليوتيوبيات الدينية، ولا الخدع، ولا القمع.. ولا المجازر. ولا القتل!
عبقرية الحرية هي أّمّ الثورات العربية الجديدة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل