عام على الربيع العربي. ذلك الربيع الذي سبق هذه المرة موعد قدومه المعتاد، فكانت بداياته ما بين الخريف والشتاء. ربيع عربي هزّ المنطقة وقلبها وكسر فيها جمودها ليخرجها من حالة الموت السريري إلى مرحلة جديدة تبدو فيها الصورة أفضل بكثير من حكم العسكر وأنظمة القمع، صورة تحتاج الى الكثير من الوقت ليعتدل شكلها وحجمها وتأخذ مداها من الهدوء. لم يتأثر به لبنان بشكل مباشر لكن ناسه كانوا مصدراً للتأثير فيه وموقعاً للتأثر به. الانقلابات على التوافقات وعلى الوحدة الوطنية عبر القوى "المسلحة والشبيهة لها" كادت تغيب هذا الربيع عن البلاد لولا بعض المفاصل القليلة التي أتت لتؤكد على رفض التخلف في لبنان وجرّبت ان تقف في وجه قدرة السلاح وقوته برفع قبضة اليد. حالة غريبة في بلد الحريات في ظل توجه العالم العربي إلى مرحلة جديدة أقل ما فيها انتخابات ديموقراطية وصناديق اقتراع، ومجالس تشريعية تأسيسية، للتاريخ وحده حق الحكم عليها.
عام 2011 رغم كل ظروفه ومآسيه، لم يكن بالعام الهين. هو عام سعد الحريري إن قلنا إن العالم العربي مقبل على تغيير يحمل رياح الديموقراطية، فالحرية تعني أن اي تبدل لا يمكن ان يكون الا نحو الافضل، والتحالف مع سوريا لا يمت بأي صلة الى الحرية، ولذلك فان الباب مشرّع للتغيير في العالم العربي، وفي لبنان بالتأكيد سيكون العام 2012 عام التغيير المطلوب. هو عام المنصف المرزوقي الرئيس التونسي الجديد. هو عام العرب مثل ياسين الحاج صالح ورزان زيتونة وسهير الاتاسي ونجاتي طيارة وغيرهم الملايين. هو عام اللبنانيين الذين يدعمون الثورة الشعبية في سوريا ويؤكدون على سلميتها ويستقبلون الهاربين من القمع في بيوتهم.
قبل عام كان القرار السوري يقود "الهوى اللبناني" ويتجه صوب الانقلاب على حكومة الوحدة الوطنية من باب ما يسمى ملف شهود الزور ومذكرات الجلب السورية بحق مواطنين لبنانيين يطالب بهم نظام بشار الأسد لمحاكمتهم في دمشق. حمل وزراء "حزب الله" وحلفاء سوريا في مجلس الوزراء على حكومة الرئيس سعد الحريري وطالبوا باستقالتها أو بتسليم المواطنين اللبنانيين، في وقت أوقفوا كل الملفات الداخلية التي يحتاجها المواطنون وأمعنوا في شلّ الدولة حتى كادت تنهار. يومها صعّدوا بأكثر ما لديهم، من التهديد الكلامي وصولاً إلى حدود التوجه الى اعادة الظروف الى الخلف صوب حرب اهلية قديمة لا يمكن لعاقل ان ينسى مآسيها. عملوا فترتها على ادخال البلد في نفق الاشكالات والصراعات التي لا تنتهي، وحين استطاعوا اعادة امتلاك "كعب اخيل" في الحكومة أي الوزير السابق عدنان السيد حسين، الذي أعطاهم أكثرية الثلث زائداً واحداً، ذهبوا في انقلابهم حتى الآخر.
استقالت الحكومة اللبنانية، فيما كانت الأنظار تتجه إلى الوضع في تونس، فالثورة التي استطاعت أن تثبت قدرتها على الصمود في وجه رجال الأمن بعد إحراق محمد البوعزيزي نفسه، لم يكن أمرها متوقعاً أتت سريعة وكانها كانت حاضرة في وجدان التونسيين طوال عهد الديكتاتور زين العابدين بن علي . هذه الثورة التي اعتبرتها قوى 14 آذار جزءا من انتصارها في البداية الى ان اشتعلت الثورة في سوريا، فصار ربيع العالم العربي خريفاً على التحالف الانقلابي في لبنان، كما هو خريف على النظام السوري ومن يتحالف معه في العالم العربي.
الربيع لم يزر بيروت من باب التظاهرات المليونية الحاشدة، فقد تحولت حملة "اسقاط النظام الطائفي" التي قام بها عدد من الشباب الذين حاولوا جعلها مستقلة إلى حملة يتنازعها تياران سياسيان يحاولان طوال الوقت إثبات من هم أكثر محبة بالنظام السوري من الآخر. هذه الحملة التي طرحت شعارات مدنية ذات سقف تستطيع تحته جمع اللبنانيين، تحولت خلال اسابيع إلى تجمعات حزبية طائفية او منضوية في عداد التجمعات الطائفية المسؤولة طوال اعوام الوصاية السورية عن منع التغيير في البلد. لم تكن "الحملة"، خلال فترة عملها القصيرة نسبياً، قادرة على الخروج من رحم الانقسام السياسي صوب "الجمع" اللبناني الخالص أو حتى على العمل لتحقيق الدولة المدنية والعلمانية لكل المواطنين وهي التي ادخلت عليها المحرمات منذ اليوم الاول لاطلاقها. محرمات كان أبرزها منع الحديث عن سلاح "حزب الله"، كما انها انتهت في اللحظة التي بدأت فيها مرحلة الحراك السوري كما لو انها خافت ان تكون شريكة ولو بالتضامن مع ما يحصل في شوارع دمشق وحمص ودرعا.
في الربيع العربي هذا العام انقلبت معايير الجميع، فالحريات وحّدت الناس، والظلم وحّد الحكام أو المشتبه بهم. فكرة الإنقلاب جمعت البعض في لبنان مع حكم السلاح في ليبيا ومصر واليمن وسوريا، هناك يستعمل الحاكم القوّة لضرب الناس وقتلهم وتشريدهم، فيما هنا وكما بدأ العام بأزمة التهديد بالاستقالة نزل أصحاب "القمصان السود" في رسالة تذكيرية بالسابع من أيار في العام 2008، فكان رد الفعل الأول لرئيس جبهة "النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط السير بما يطلبه حاكم دمشق من تكليف رئيس جديد للحكومة والانقلاب على الحلفاء في قوى الرابع عشر من آذار.
ولكن ما حصل في هذا العام لم يكن رغم كل سوئه إلا بداية لإعادة تظهير "ربيع بيروت" الذي أطلقته انتفاضة الاستقلال في العام 2005 اثر استشهاد الرئيس رفيق الحريري ورفاقه. الحرية والسيادة والاستقلال والعمل من اجل قيام دولة المواطنة من أكثر الشعارات التي استعيدت هذا العام بعدما كادت محاولات شركاء التحالف السوري تنجح بابعادها من خلال اشغال اللبنانيين في كل مرحلة بعدد من الملفات المدمرة. أتى هذا العام ليشير إلى الانقلاب وحركته التي لم تترك مجالاً للناس لكي يتغاضوا عن قدرة "السلاح الميليشيوي" على ضرب الاقتصاد والسلم الأهلي ومنع الحريات بعدما بدأ بقتل المواطنين وتحويل المناطق اللبنانية الى مربعات امنية تحمي كل انواع الممنوعات من تجار المخدرات إلى الهاربين من وجه العدالة، وكذلك إلى محميات لا يمكن لأحد أن يقربها.
[ .. وأزهر الربيع
لكن مقابل كل انواع الانقلابات، كان الربيع يزهر في تفاصيل أخرى متعلقة بالوضع اللبناني. ففي المحكمة الخاصة بلبنان تحرّك ملف استدعاء عدد من المتهمين بالتورط في الجريمة الرئيسية، كما ظهر ترابط وثيق بين قضية اغتيال الرئيس الشهيد وقضايا الوزيرين مروان حمادة والياس المر والشهيد جورج حاوي. فموضوع الاغتيالات السياسية الذي لم يجد من يوقفه منذ استقلال لبنان الأول بدأ يأخذ مجراه الطبيعي باتجاه منع ايقاف هذا التسلسل الطويل الذي مرّ على شخصيات تاريخية لبنانية منذ رياض الصلح وصولا الى كمال جنبلاط وما تلاهما من اغتيالات في الحرب الأهلية وبعدها.
الربيع اللبناني أزهر أيضاً في العمل السياسي للمعارضة اللبنانية، فهي وبعدما كانت الأكثرية في الحكم وتعض على جروح التهديد والإغلاق وغيرها، وتتحمّل ما يفعله في الدولة حلف "حزب الله"، صارت اليوم قادرة على تسمية الأمور بمسمياتها الحقيقية، وتوجيه الاتهام بتدمير الدولة إلى من يقوم بذلك. وصار واضحا ان السلاح غير الشرعي مثله مثل الانظمة البائدة التي انهارت أو على طريق الانهيار، لا يستطيع ان يجبر الناس على أمر لا يريدونه، فالتغيير لا يمكن ان يقلب المشرق العربي ويبقي على تهديد السلاح غير الشرعي فوق رؤوس اللبنانيين.
واحد من تجليات نجاح الربيع العربي هو قدرة قوى 14آذار على إعلان دعمها السياسي والإعلامي لانتفاضة الشعب السوري، بدءاً من موقف الرئيس سعد الحريري وصولاً إلى القاعدة الجماهيرية التي تتعرض للتهديد بالويل "والثبور وعظائم الأمور" في حال دعمها للشعب السوري. الربيع مرّ سريعاً وبدأ بإطاحة أنظمة القمع ومن يدعون الممانعة فيما هم راغبون، وبطريقه سمح الربيع العربي للبنانيين برؤية اولئك الذين كانوا يرتعدون خوفاً من أسمائهم وكانوا يقومون بتعذيبهم في السابق وقد تحولوا الى موضع للتهكم هم وكل الانظمة الامنية الحالمة بالقمع والعاملة به. اللبنانيون الذين عانوا طويلاً من حكم المخابرات السورية ووزرائها وضباط أمنها، استطاعوا اليوم طرد هذا الرعب، وعادوا لتأكيد موقفهم الى جانب الحريات في العالم العربي وخصوصا في سوريا. لكن مأساة لبنان كما العادة تبقى في تحالف جزء من قواه السياسية مع النظام في دمشق تحالفاً غريباً عن واقع البلد واحواله وتاريخه، من دون قراءة واقع حال الظروف المتعلقة بالتغييرات السريعة التي لا يمكن لأحد أن يقف أمامها.
عام التغيرات والتبدلات هو، سريع جدا وحاسم، وقد لا يمر ما يشبهه إلا كل ستين او سبعين عاماً، ولكنه أيضاً عام اللاجئين السوريين في لبنان، لأنه شهد هجرة كثيفة جداً من الداخل السوري الى الأراضي اللبنانية هرباً من جور "الشبيحة" وعمليات القتل اليومية. وصلوا الى المدن والقرى اللبنانية، قلة منهم تسجلوا في سجلات الدولة اللبنانية، وأكثرهم صمتوا بسبب الخوف وجلسوا ينتظرون فرص عمل متقطعة تعطيهم رزقاً ما يسمح لهم بالعيش تحت خط الفقر بكثير.
في هذا العام تعرض كثيرون من الناشطين السوريين في لبنان للاعتقال والخطف، من الأخوة جاسم إلى شبلي العيسمي الرجل الثمانيني الذي اختطف من عاليه وحتى اليوم لم تظهر اي اشارة الى وضعه الحالي. كانت السفارة السورية خلال هذا العام "وكراً للشبيحة" لمنع التحركات الاحتجاجية التي قام بها ناشطون لبنانيون في شوارع بيروت ، لكنها بالتأكيد لن تدوم طويلاً بدورها هذا وستعود مع الايام الى دورها المعتاد كسفارة لبلد شقيق تساهم في إدارة الحوار السياسي بين الشعبين لإنتاج علاقة اخوية وشراكة حقيقية في كل شيء إلا في ملفات التهديد والاعتقال وغيرها.