لا يمكن أن يُلام سليمان فرنجية على مؤتمره الصحافي الذي عقده للدفاع عن وزير الدفاع فايز غصن الذي وجد نفسه ضحية "لعبة" أكبر منه على ما يبدو بعد أن تمّ "استعماله" لمحاولة إنقاذ النظام السوري عبر دفعه الى إطلاق تصريحات مضحكة- مبكية عن وجود لـ"القاعدة" في عرسال قبل يومين من استخدام هذه التصاريح ذريعة للإعلان عن تفجيرين انتحاريين في دمشق مع وصول وفد المراقبين العرب الى سوريا.
لا يمكن أن يُلام فرنجية لأنه قد يكون هو من دفع غصن الى إطلاق تصريحاته الشهيرة خدمة لحلفائه السوريين، وبالتالي بات لازما عليه أن يحاول إنقاذ غصن الذي أغرقته عواصف تصريحاته الهوجاء.
لكن المشكلة الأساس تبقى لدى فرنجية وفريقه بأنهم لم ولن يعرفوا يوما أن يتصرّفوا كرجال دولة، إذ لم يشرح للرأي العام كيف يمكن لوزير الدفاع أن يدلي بتصريحات إعلامية عن وجود "القاعدة" وهو لم يطلب من قيادة الجيش اتخاذ أي إجراء لحماية منطقة عرسال من عناصر "القاعدة" المزعومين الذين يُفترض بمديرية المخابرات أن توقفهم في حال صحّت معلومات غصن!
هكذا كان يُفترض بوزير الدفاع أن يعز الى الأجهزة التي أعطته المعلومات، في حال أن مديرية المخابرات هي مصدر المعلومات، أن تتصرّف حيال هذه المعلومات برصد العناصر المشبوهة وتوقيفها، وذلك عوض اللجوء الى إعلان العجز فعليا والاكتفاء بالتصريح في الإعلام!
ولأن الشيء بالشيء يُذكر، فهذه الواقعة تذكر اللبنانيين فعلا بمرحلة تسلّم سليمان فرنجية مسؤولية وزارة الداخلية، وكيف مرّت كل المياه من تحت قدميه، كما يقول المثل اللبناني الشائع، ولم تسعفه الأجهزة الأمنية التي كانت خاضعة له مباشرة، ولا كل الأجهزة الأمنية في الحكومة السورية القلب والقالب والهوى آنذاك برئاسة الرئيس عمر كرامي، في إعطاء أي معلومات عن أي نية لاغتيال الحريري في حين كانت كل الأجهزة الدولية ترصد النوايا السورية السيئة تجاه الحريري، وكان الشهيد باسل فليحان عاد من الخارج تحديد لإبلاغ الحريري عن معلومات تتعلق بتحضيرات لاغتياله!
والطريف أنه في الـ2005 كما اليوم، وعوض أن يهاجم فرنجية الأجهزة التي تخضع له يومذاك، أو لوزير دفاعه اليوم بسبب تقصيرها في اعتقال أي من عناصر القاعدة المزعومين، يهاجم المعارضة التي تعتبر أن كلام وزير الدفاع يشكل إساءة لمنطقة لبنانية اتهمها ضمنا بإيواء إرهابيين وإساءة لسمعة لبنان الخارجية!
أما محاولة فرنجية التلطي وراء الجيش اللبناني عبر اعتبار الهجوم على وزير الدفاع هجوما على المؤسسة العسكرية فمثيرة فعلا للشفقة. فهل أصبح العجز ظاهرا لدرجة أنه لم يعد لدى فرنجية ووزيره ما يختبئان خلفه غير الجيش اللبناني الذي هو خارج أي حسابات سياسية؟!
تبقى مفارقة مهمّة على فرنجية أن يتنبّه إليها جيدا وهو أنه أشار ضمنا الى أن تصريح وزير الدفاع عن وجود "القاعدة" في لبنان بعدما رفضت السلطة السياسية، أي الحكومة، معالجة الموضوع. وهذا ما دفع غصن الى التصريح عن الموضوع حتى يرفع المسؤولية عن نفسه! وهذا الكلام اتهام مباشر للحكومة التي يملك فيها فرنجية مع حليفه النائب ميشال عون ثلث المقاعد، وإذا أضفنا إليهم "حزب الله" وحركة "أمل" يصبحون الأكثرية المطلقة في الحكومة التي ترفض معالجة موضوع القاعدة بحسب كلام فرنجية!
وإذا كان من مغزى لهذا الاستنتاج فهو تحديدا أن سوريا التي أتت بهذه الحكومة بالطريقة المعروفة تعمل على تغطية "القاعدة" الوهمية وتستخدمها لاستعمالاتها الاعلامية وفق ما يناسب مصالح نظام البعث، هذا النظام الذي أوى ودرّب واستعمل العناصر المتطرفة سواء في اتجاه العراق أم في لبنان منذ العام 2000 وحوادث الضنية، مرورا بحوادث مجدل عنجر وصولا الى نهر البارد وجماعة "فتح الإسلام". وإذا كان من واجب أن يواجه هذه "القاعدة" فهو هذه الحكومة وهذه السلطة التي يشكل فرنجية ووزير دفاعه جزءا منها، في حين أن قوى 14 آذار خارج السلطة اليوم.
هكذا بدا أن سليمان فرنجية في مؤتمره الصحافي اليوم، وعوض أن يتمكن من "إنقاذ" وزيره من التخبط الذي وقع فيه هدّ الهيكل على رأس حكومته متهمّا إياها بتغطية "القاعدة"!
وإذا كان من مناكفات بين فرنجية وبين الرئيس نجيب ميقاتي الذي اتهمه رئيس "المردة" بأنهم "يخاف على سنيّته" أو مع رئيس الجمهورية الذي قال عنه فرنجيه إنه "يخاف على صورته" فمن الأفضل أن يطرح وزيرا فرنجية هذه الملاحظات على طاولة مجلس الوزراء عوض أن يتحف فرنجية اللبنانيين بمماحكاته السطحية.
وقبل أن نختم، لن ننسى أن نهنئ للمرة المليون لسليمان فرنجية تكرار إعلانه تحالفه الوثيق مع نظام بشار الأسد، وما إعلانه أنه سيفعل كل ما بوسعه لحماية نظام الأسد إلا اعتراف ضمني بأن ما أدلى به وزير الدفاع من تصريحات إنما يأتي أيضا في سياق حماية نظام الأسد ومحاولة تحوير الأنظار عن جرائمه التي يرتكبها وتحويله الى "ضحية" أمام "قاعدة" مزعومة.
أمّا مسألة تلطيخ سمعة البلد فتكفيها ولدنات على شاكلة مؤتمر فرنجية الصحافي الذي لا يعي حتما معنى أن يعلن وزير دفاع بلد ما أن فيه "قاعدة"… حمى الله لبنان من أمثال هؤلاء!