كتب جورج شاهين في صحيفة "الجمهورية": كان بودّ رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان أن يقفل الجدل حول ملفّ "القاعدة" في المجلس الأعلى للدفاع، لكنّ الملفّ أعيد فتحه من بنشعي. في وقت تستعدّ فيه الحكومة اليوم لتلقّي الضربة الثالثة من مجلس شورى الدولة طعناً بمرسوم الأجور، ما وضع "التضامن الحكوميّ" الهشّ أمام استحقاق داهم بدءاً من الغد.
لم تنجح سلسلة المبادرات التي أطلِقت في السرّ والعلن لإقفال الجدل حول الحديث عن وجود القاعدة في لبنان أو عدمه، لا بل إنّ المواقف التي حفلت بها الساعات القليلة الماضية جعلت عطلة رأس السنة الميلاديّة منصّة للتردّدات التي تركها حديث وزير الدفاع الوطني فايز غصن عن وجودها في لبنان على مستويات عدّة سياسيّة وحزبيّة وطائفيّة. لكنّ أخطرها تلك التي تركتها على مستوى الوزراء أعضاء حكومة "كلّنا للعمل" ذلك أنّ المؤيّدين والمعترضين يحتفظون بمواقفهم المفروزة على أكثر من خلفيّة سياسية وطائفية.
وزاد الطين بلّة عندما أعاد رئيس تيّار المردة أمس فتح النقاش حول الموضوع مستدرجاً رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة الى المنازلة الكبرى التي أرادها متّهماً الأوّل بالتغاضي عن المعلومات التي في حوزته لأسباب تتّصل بـ"صيته"، والثاني بـ"سنّيته" ساعياً إلى نقل المعركة من الحضن الحكومي الى قلب المؤسّسة العسكرية، فاعتبر الحملة على وزير الدفاع استهدافاً "منظّما" ضدّ المؤسّسة العسكريّة بكلّ مواقع القوى فيها من القيادة الى مديريّة المخابرات.
جدل حكوميّ سرّي
من هذه المنطلقات أعاد كلام رئيس تيّار المردة النائب سليمان فرنجية فتح الجدل حول هذا الملفّ سرّاً في الأوساط الحكوميّة وعلنا في السياسة. فبعدما لم يوفّر فرنجية في انتقاداته وزراء في الحكومة لم يوافقوا غصن في معلوماته محمّلاً إيّاهم مسؤوليّة الحديث عن الملفّ بـ"السياسة" وليس من باب "الأمن"، عبّر أكثر من وزير اعتبر نفسه معنيّا بما وجّهه فرنجية إليهم من ملاحظات عن رفضهم الردّ عليه "حرصاً على ما تبقّى من التضامن الحكومي" كما قال أحدهم تعليقا على الاتّهام الذي وجّهه اليهم عندما لم ينتصروا لغصن لا في مجلس الوزراء ولا في المجلس الأعلى للدفاع ولا في الإعلام. وتوفيراً للانعكاسات السلبية التي تركها الجدل حول الموضوع في الداخل والخارج كما قال آخرون.
…وسياسيّ علني
لكنّ هذا الصمت الحكومي لم يحسب له قادة المعارضة ونوّابها حساباً، فجاء مسلسل الزيارات التضامنيّة الى عرسال مناسبة للردّ على فرنجيّة وغصن في آن، حتّى بلغ الأمر بالبعض إلى اتّهام وزير الدفاع بأنّه يتلقى تعليماته من دمشق وليس من بيروت، وأنّ ما فعله كان أمراً مطلوبا.
يعترف القاصي والداني من الأكثرية والأقلّية بأنّ الجدل الذي أحيَته المواقف الحادّة من ملفّ "القاعدة" سينعكس سلباً على التركيبة الحكوميّة والعلاقات بين وزرائها في الشكل والمضمون، لكنّ أخطرها سيأتي به التوقيت، فالحملة اشتعلت عشيّة القرار المنتظر من مجلس شورى الدولة الذي سيردّ اليوم النسخة الثالثة من "مرسوم شربل نحّاس" بشأن تحديد الحدّ الأدنى للأجور والزيادة على شطور الرواتب لعيوب متعدّدة، الأمر الذي سيحيي الخلافات بين أهل البيت الواحد، وستكون جلسة مجلس الوزراء غداً المسرح الذي يستعدّ للمنازلة الكبرى.
المعركة في "صحن البيت"
على هذه الخلفيّات تخشى المراجع الحكوميّة أن تنعكس كلّ هذه التطوّرات على جلسة مجلس الوزراء غداً، والتي وإنْ غابت عنها البنود الأساسيّة الخلافيّة إلّا أنّ استحضار ملفَّي الأجور والقاعدة باتا على جدول الأعمال من دون أيّ تردّد. وعلى رغم التمايز بين الملفّين الأمني والمعيشي إلّا أنّ هناك الكثير ممّا يجمعهما ليكونا في سلّة حكوميّة واحدة.
فالخلاف هذه المرّة في ما خصّ ملفّ الأجور ليس بين الأكثريّة والأقلّية وما بين الموالاة والمعارضة، فالمعركة في جوانب عدّة منها في "صحن البيت" الحكومي على خلفيّة الانقلاب الثلاثي الذي قادته الأكثريّة الوزارية على رئيس الحكومة من جهة، وما بين أهل الصفّ الواحد بعدما تظهّرت الخلافات جليّة من ملف الأجور ما بين وزراء تكتّل الإصلاح والتغيير من جهة ثانية. وكذلك فالخلاف حول ملفّ القاعدة سينعكس تجدّداً للخلاف الحكومي حول العنوان نفسه، فإلى إصرار الوزير غصن على صدقيّة معلوماته، سيعبّر الوزراء الآخرون عن إصرار مماثل بهدف النفي.
وعليه، يتكوّن الإجماع على أنّ "التضامن الحكومي" سيكون غداً على محكّ التجربة على قاعدة الجدل حول ملفَّي القاعدة والأجور. فهل سيكون هناك مخرَج يجنّب الحكومة حدّة المواجهة الداخليّة المنتظرة أم أنّها ستشعلها؟