#dfp #adsense

“الجمهورية”: تركيا وتراتبية السيناريوهات الجديدة في الازمة السورية

حجم الخط

كتب سمير صالحة في صحيفة "الجمهورية": التزام أنقرة المشروع العربي في التعامل مع الازمة السورية، حرمَها من فرص التغريد خارج السرب كما كانت تفعل قبل اشهر، وألزمها بانتظار نتائج أعمال المراقبين العرب في المدن السورية.

لم يعد أحد في تركيا يناقش اليوم السيناريوهات المحتملة إزاء الحل في سوريا، او يكتب عن البدائل والخيارات التركية الواجب تبَنّيها، فلا تصريحات نارية تطلق، ولا تصويب على الرئيس بشار الاسد ومعاونيه، كما كانت قيادات حزب "العدالة والتنمية" تفعل قبل أشهر.

ربما يكون دخول الجامعة العربية على الخط قد خفّف بعض العبء عن كاهل رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان ومعاونيه، وجعلهم يحوّلون الانظار نحو مشاكل وأزمات سياسية داخلية يتقدمها مقتل 35 مدنيّا على الحدود التركية ـ العراقية في غارة عسكرية تحت عنوان الحرب على حزب العمال الكردستاني، ومشروع قانون رفع رواتب نوّاب البرلمان التركي الى الضعف، وهو ما أغضب الشارع التركي وحتى أنصار الحزب الحاكم الذين يذكّرون بالفتات الذي يقدم لهم بالملعقة، بينما يوزّع على الآخرين بالمغرفة.

اردوغان لم يعد يتحدث عن الجولان وتنَحّي الاسد، وعن الفرص التي تتقلّص ووصول النظام الى الطريق المسدود. وهو لم يتوقف حتى عند البواخر والسفن الروسية الرابضة امام السواحل السورية، على رغم معرفته الكاملة أنها جاءت في مهمة التذكير بمصالح روسيا الاقليمية التي لا يمكن التفريط بها باسم مزيد من الديموقراطية والحرية للشعب السوري، وهو الشعار الذي رفعته أنقرة منذ بداية الازمة.

تركيا لم تعد مستعجلة حتى في موضوع "المنطقة العازلة" التي قالت انها على استعداد لمناقشته، ووضعت أسسه عبر نصب الخيَم وتحضير مستلزمات استقبال عشرات الآلاف من اللاجئين الى مناطقها الحدودية مع سوريا، على رغم معرفتها الكاملة باستمرار سقوط عشرات الضحايا يوميّا بين قتيل وجريح.

العقوبات التي فرضتها تركيا على النظام السوري قابلتها تدابير اكثر تشدّدا، تركت مئات الشاحنات التركية تنتظر في صفوف طويلة امام نقاط الحدود في عملية انتقامية لا تحتاج الى نقاش. ومع ذلك، فإنّ الرسالة التي توخّت أنقرة تقديمها هنا، كانت التمَسّك بالمحور العربي الغربي المشترك في التعامل مع النظام السوري، والالتزام بسياساته وتحركاته ومواقفه.

هل هناك ضمانات قدّمت الى النظام في دمشق بإسقاط سيناريو التدخّل العسكري وعدم تدويل الازمة في هذه المرحلة، وهذا ما يشجعه على الاستمرار في ما بدأ به وهو تطويل عمر الازمة وكسب مزيد من الوقت والفرص لإضعاف المعارضة وتفكيك التحالف الاقليمي والدولي ضده؟

انقرة وقيادات حزب "العدالة والتنمية" لمّحت الى انها تركز على مسألة ما بعد سقوط النظام في سوريا، لكن أركان النظام هناك يقولون إن لا مرحلة غير المرحلة التي يختارها ويحدّدها هو، بما يملك من فرص وأوراق داخلية وخارجية لم يُلعب كثير منها بعد.

تركيا قلقة لأنّ البعض يريدها أن تحارب نيابة عنه، لكنها قلقة اكثر مخافة ان تدفع الثمن وحيدة من خلال وجود فخ يُرسم وطَبخة تعَدّ على نار هادئة تستهدف مصالحها ونفوذها وصعودها الاقليمي في السنوات الاخيرة، وفي مقدّم ذلك تريد ان تعرف ما هي الضمانات التي ستقدم إليها في شأن مطالب وتحركات الاكراد المنتشرين بكثافة على حدودها الجنوبية؟

انقرة تريد أن تعرف ايضا ما اذا كان سيناريو العصيان المدني قابلا للتطبيق كبديل للحرب الطائفية وفتح الابواب امام التدخل العسكري، أم ان كل ذلك هو مجرد مناورات سياسية يريدها البعض للمساومة مع النظام ومَنحه فرص التجديد والتمديد على رغم انّ البعض وَعد بأن لا بديل آخر عن استسلام هذا النظام او إسقاطه.

هناك خلافات حول العملية العسكرية ضد سوريا كما يبدو المشهد من انقرة، فمن الذي سيقودها وينفّذها ويموّلها؟ وهناك قلق من أن تتحول "نعمة" التدخّل العسكري الخارجي الى "نقمة" شعبية في سوريا ضد منفذيها، وأن تدفع تركيا الثمن قبل غيرها في تحويل الازمة الى حرب اهلية طائفية يريدها كثير من أقرب معاوني الرئيس السوري كورقة ضغط ومساومة لا يجوز التفريط بها بمثل هذه السهولة. انقرة ربما، وهي تنتظر وتتريّث، تريد أن تعطي القيادات العربية فرصة سحب امتلاك حق التفجير الاقليمي من يد القيادة السورية التي تلوّح بورقة التنسيق والتعاون الاستراتيجي مع ايران وروسيا.

انقرة بعيدة عن خيارات التبريد والتجديد، وهي متمسّكة بضرورة الإجادة في التسديد، لكنها تريد من الجامعة العربية ان تحسم امرها أوّلا، حتى لا تكون هي مَلكية أكثر من الملك.

تركيا قلقة من أن يحاول البعض بَيع الوهم وبناء قصور الرمل على حدودها الطويلة المشتركة مع سوريا، فتصطدم بخيبة الأمل وتترك وحيدة وسط العاصفة، وهذا أكثر ما يريده النظام السوري اليوم انتقاما من قيادة حزب "العدالة والتنمية" التي تخَلّت عنه بسرعة البرق، بعد كل الوعود والعقود التي حملت له الطمأنينة والامل.

تركيا تريد ان تعرف ما اذا كانت ايران ستحارب باسم سوريا ونيابة عنها، ليس لحماية نظام الرئيس الاسد، بل لحماية مصالحها الاقليمية هي، أم أنّ الخيار الايراني سيكون البحث عن حل سياسي يُبعد شبح الحرب عن ايران تحت الذريعة السورية، وهو السيناريو الاقرب بالنسبة الى كثير من الدول التي تريد ان تكون تركيا مركز الثقل فيه.

الازمة السورية دخلت شهرها العاشر، والنظام ينجح في المناورة ولعب كل ما يملك من أوراق وفرَص، وهذا ربما ايضا بين المسائل التي تقلق تركيا: هل هناك ضمانات قدّمها البعض للرئيس السوري بأن لا تدخّل عسكريّا يحدث وأنّ تدويل الازمة غير وارد، وهو يستفيد بذلك من هاتين الضمانتين للتحرّك بكل قوته من اجل القضاء على الانتفاضة والحراك الشعبي في المدن السورية؟

تركيا تعرف أن البعض يتهمها بالمحاربة بالسيف الاميركي في سوريا، وأنها ستمضي وراء خيار واشنطن.

الاهم في سوريا، وهو نقل الحالة المصرية وتطبيقها هناك وتعميمها: مجلس عسكري يتسلّم السلطة بشكل او بآخر، ويتوَلّى شؤون الادارة في اطار عملية انتقال ديموقراطي يشرف عليها ويديرها، على رغم انّ انجازات المجلس العسكري المصري والنتائج التي حقّقها على الارض غير مشجعة كثيرا حتى الآن للدفاع عن هذا النموذج وتبَنّيه.

تركيا تعرف أن لا سيناريو سهلاً بالنسبة الى سوريا والسوريين بعد الآن، لكنها لا تريد ان تكون في مواجهة مع القيادات الجديدة المحتملة، بسبب اخطاء تناقض المواقف والسياسات كما حدث في ليبيا مثلا، أو بتقديمها على انها الشريك الاميركي في الموضوع السوري، وتترك بذلك وجها لوجه وحيدة مع دمشق، تدفع ثمن تصريحاتها ومواقفها "الأسد لم يعد مركز ثقة، ولا فائدة من الكلام مع دمشق بعد الآن والتغيير حَتمي، فنظام الاسد وصل الى طريق مسدود". انقرة قلقة من ان تتحوّل الازمة في سوريا مصيدة تقع فيها، وأن يصطادها البعض جنبا الى جنب مع النظام السوري بحجر واحد.

انقرة تريد ان تعرف ايضا حدود الدعم الذي تقدّمه حكومة نوري المالكي الى دمشق، والى أي مدى يمكن ان يصل: هل ستقتصر المساعدات على الدعم المالي والاقتصادي؟ أم أنّ تنسيقا استراتيجيا سيظهر الى العلن مع احتمال وقوع أي مواجهة عسكرية مع النظام السوري؟

دمشق تحاول الانتقام من أنقرة على طريقتها هي. التنسيق مع الجامعة العربية والانفتاح عليها من دون اي حوار او مؤشرات على استعداد للمصالحة مع حكومة "العدالة والتنمية" التركية التي كانت السبّاقة الى التخَلّي عن الحليف والشريك القديم على هذا النحو.

تركيا تبني معادلاتها الجديدة في الموضوع السوري على إسقاط النظام سريعا من دون اراقة مزيد من الدماء أوّلاً، ثم من دون التدخل العسكري إلّا بقرارات دولية مشتركة اذا ما تطلّب الامر ذلك، حتى ولو كان الغطاء هو التدويل وبعيدا عن الحرب الاهلية ثانيا، لكن بغطاء توَفّره المنطقة العازلة اذا ما كانت ستساهم في الوصول الى حسم سريع للازمة.

انقرة لا تريد ان تحلّق بمفردها في سماء سوريا، فيصعب عليها متابعة تفاصيل المشهد السوري بكل معادلاته وتوازناته بسبب ارتفاعها الشاهق.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل