لو ان وزير الدفاع فايزغصن فكّر مرتين قبل اطلاق تصريحه الخطيرجداً، بان تنظيم القاعدة الاصولي الارهابي موجود في لبنان، وعناصره تنطلق من بلدة لبنانية كبيرة وعريقة ورفدت الجيش اللبناني، على ما اعلن قائد الجيش، بعدد كبير من ابنائها، لما كان اقدم على هذه الخطوة المتسرعة امام الاعلام، وذهب الى رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، ومجلس الوزراء مجتمعاً، وكشف لهم عن المعلومات المتوفرة لديه، والتي يقول ان مخابرات الجيش اللبناني زوّدته بها، وليس المخابرات السورية كما تتهمه المعارضة، بحيث انه لو اتبع هذه الطريقة التي يفترض ان يتبعها كل مسؤول، كان وفر هذه الهزة على الشعب اللبناني، وتجنّب انقساما جديداً بين اللبنانيين، يضاف الى الانقسامات العديدة التي تقسمه عامودياً، وكان، وهذا هو الامرالاهم، انقذ لبنان وبلدة عرسال من تلطيخ سمعتها امام العالم، الذي ينظر الى الدول المصابة بوباء «القاعدة» وكأن شعوبها خارجة عن القانون ويتوجب القاء الحجر الامني والسياسي والمالي عليها، بالاضافة الى خطر التنقل والسفر، ولذلك فان استغراب النائب سليمان فرنجيه، الضجة التي احدثها وزير تيار المردة، لا يتناسب وخطورة التصريح، ودفاعه عن الوزير غصن وتأكيد وجود «القاعدة» في لبنان بهذه الطريقة العلنية ورفض قبول الاراء الاخرى التي تنفي وجود «القاعدة» وتناول وزير الداخلية العميد مروان شربل بالتعرّض الشخصي والتشكيك بمواقف رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، ورئيس الحكومة نجيب ميقاتي، لا تفيد بشيء مصلحة لبنان التي يحرص النائب فرنجيه عليها، حسبما قال في مؤتمره الصحافي.
فرنجيه في المؤتمر الصحافي جزم بان المسؤولين الكبار على معرفة واطلاع بوجود تنظيم القاعدة في لبنان، وكان يفترض، حسب مصلحة لبنان والقوانين المرعية الاجراء، ان يكون وزير الداخلية من اول المطلعين على تقرير مخابرات الجيش لانه معني مثل وزير الدفاع، ان لم يكن اكثر بالوضع الامني الداخلي، اما وان الامور اخذت هذا المنحى من العلنية والاتهامات المتبادلة ومحاولات التشكيك باقوال الحريصين على مصلحة البلد وامنه، فان دعوة فرنجيه قائد الجيش ومدير مخابرات الجيش الى كشف ما عندهما من معلومات، قد تكون صحيحة وقد لا تكون، تأتي في مكانها الصحيح، لاعلام اللبنانيين بما يملكان من معطيات حول وجود تنظيم القاعدة في لبنان، ومدى حجمه وخطره، وهل هو مستوطن في بلدات وقرى لبنانية، او في مخيمات للاجئين الفلسطينيين، ام انه يتسرب الى لبنان من دول عربية وافريقية واسيوية عن طريق مطار بيروت، او عبر الحدود البرية مع سوريا، ومسؤولية القوى الامنية اللبنانية والسورية عن هذا التسرّب، وطمأنة الشعب اللبناني ودول العالم، الى قدرة لبنان على مواجهة هذا الخطر الارهابي وضربه واستئصاله وسابقة احداث نهر البارد ما زالت حاضرة في اذهان اللبنانيين وغير اللبنانيين وفي ذاكرتهم، وبخلاف هذا التصرّف وهذه الشفافية، سيبقى لبنان في دائرة الاتهام بانه بلد يرعى الارهاب او يتجنبه اويتساهل معه، كما ان السجال القائم بين الخصوم السياسيين، سيبقى سيد الموقف الى فترة زمنية طويلة، ما من احد قادر على معرفة ما يمكن ان ينتج عنه من تداعيات على البلد. قد تكون اخطر من وجود تنظيم القاعدة نفسه
***
في هذا الجو الداخلي المحموم، البعيد عن التصرّف بعقلانية عند بعض القيادات والمسؤولين، هناك سؤال اساسي يطرح، قد يكون الجواب عليه مدخلا الى معرفة الحقيقة حول تنظيم القاعدة، فإذا كان موجودا فعلا في لبنان، فمن ادخله ومن سهّل دخوله، واذا كان غير موجود فلمصلحة من كانت هذه الزوبعة التي اثارها تصريح وزير الدفاع، علما، وعلى ذمّة المسؤولين الامنيين واجهزة المخابرات، بأن جميع دول العالم وفي المقدمة الدول الكبرى المتقدمة مخابراتيا موجودة بجواسيسها ومخابراتها على الساحة اللبنانية، بما فيها اسرائىل، ومن الطبيعي ان هذه الدول تعرف جيدا اذا كان تنظيم القاعدة تغلغل في البنية الشعبية السنيّة، واصبحت هذه الطائفة بيئة حاضنة له، ام ان كل ما قيل ليس سوى محاولات لتخفيف الضغط عن سوريا، وبالتالي فإن الدول التي عانت ارهاب القاعدة، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والسعودية، وغيرها، على علم بوجود هذا التنظيم الارهابي، في بلد تعتبره صديقا ومشاركا معها في محاربته وتبقي الامر سرا، ولا تكشفه للمسؤولين اللبنانيين؟
***
حتى اشعار اخر، والى حين ظهور اثباتات ومعلومات ومعطيات مغايرة، فإن ما اعلنه وزير الداخلية العميد شربل يبقى هو الاقرب الى المنطق والحقيقة، فقد يكون هناك في لبنان بعض الاصوليين التكفيريين، لبنانيين وفلسطينيين، ومن دول عربية اخرى، ولكن لم يشكّلوا بعد، او غير قادرين على تشكيل خلايا عاملة وفاعلة، وهذا النوع من الناس موجود تقريبا في كل دولة في العالم، ما عدا دولة الفاتيكان، ومهمّة المسؤولين اللبنانيين، بدل تشويه سمعة بلدهم، وضرب اقتصاده وسياحته وامنه، هي الانصراف الى وضع الخطط اللازمة لكشف هؤلاء وتحجيمهم وعزلهم، وذلك يكون باعتماد خطط امنية وقائية، والتعاون مع جهات دينية وسياسية معتدلة وفاعلة، للتوعية والارشاد ورفع الظلم قضائيا عن اناس، اما ظلموا من الاساس، واما انهوا عقوبتهم، وما زالواا قيد الاحتجاز، واما ان العوز دفعهم الى احضان التكفيريين، وفي اعتقادي ان هذا الخيار لا يمكن ان تأخذه هذه الحكومة ذات اللون الواحد، لون الكيد والعداء والتبعية، ولذلك، اذا كان رئيس الحكومة نجيب ميقاتي يدوزن تحركه على مصلحة لبنان، كما يقول عليه اذن ان يستقيل لتأتي حكومة، قد تكون برئاسته، تضمّ من يأخذ حقيقة مصلحة بلده في حساباته السياسية.