الثّلاثاء بعد أحد وجود الرّبّ في الهيكل
قراءَةٌ من قداسَةِ البابا بولسَ السَّادس ركائزُ السَّلام
إِنَّ السَّلام يرتكزُ في النُّفوسِ على روحٍ جديدٍ يُنعشُ الحياةَ المشتركةَ بينَ الشُّعوب، وعلى ذهنيَّةٍ جديدةٍ حيالَ الإنسانِ ومصائرهِ والطَّريقُ لا تزالُ طويلةً حتّى تعمَّ هٰذهِ الذِّهنيَّةُ وتُصبحُ نافذة، إِذ لا بدَّ من تنشئةِ الأَجيال الطَّالعةِ على احترامِ المتبادلِ بين الأُمم، وتآخي الشُّعوبِ وتعاونِ مختلفِ الفئاتِ في سبيلِ تنميتِها ورُقِيِّها.
كذٰلكَ لا يمكنُ أَن يُنادىَ شرعًا بٱلسَّلامِ مَن لا يعترفُ بٱلأُسسِ الوطيدةِ لهٰذا السَّلامِ ويحترمُها، عنيتُ الإِخلاصَ والعدلَ والمحبَّةَ في العلاقاتِ بينَ الدُّول، وفي نطاقِ كلِّ دولة، بينَ المواطنين، وبينَ هٰؤُلاءِ وحكَّامِهم، والحُرِّيَّةَ للأَفرادِ والشُّعوبِ في جميعِ مظاهرِ هٰذهِ الحُرِّيَّة، سواءٌ على الصَّعيدِ المدنيّ أَو الثَّقافيّ أَو الأَدبيّ أَو الدِّينيّ. وإِلَّا فلن نجدَ السَّلام، بل سلسلةً متَّصلةً من الثَّوراتِ والحروب؛ هٰذا ولو قُيِّضَ للإِرهابِ التَّمويهُ بمظاهرِ النِّظامِ والشَّرعيَّة.
ففي سبيلِ إِقرارِ السَّلامِ الحقيقيّ، السَّلامِ المَبنيِّ على العدلِ والتَّوازن، في اعترافِ المُخلِصِ بمَا للإِنسانِ من حقوقٍ وبمَا لكلِّ أُمَّةٍ من ٱستقلال، ندعُو حكماءَ النَّاسِ وأَقوءَهُم إِلى أَن يُكَرِّسوا يومَ السَّلام. وإِنَّا لنَتَمنَّى أَخيرًا أَلَّا تؤُولَ الإِشادةُ بهٰذا الهدفِ السَّامي الَّذي هو السَّلامُ إِلى تشجيعِ الجمودِ عندَ من يَخشونَ بذلَ الحياةِ في خدمةِ بلادهِم وإِخوانهِم، عندما يَنبَرِي هٰؤُلاءِ للدِّفاعِ عنِ العدالةِ والحُرِّيَّة، إِنَّما يَسعونَ إِلى التَّهرُّبِ من المسؤُوليَّاتِ والأَخطارِ الَّتي يستلزِمُها القيامُ بٱلواجباتِ الخطيرةِ والأَعمالِ النَّبيلةِ. فكلمَةُ السَّلامِ لا تعني التَّسليمَ ولا تُبطنُ الجُبنَ والكَسلَ في الحياة، بل تُنادي بٱلأَحرى بأَسمى وأَشملَ قيمِ الحياة، قيمِ الحقِ والعدالةِ والحُرِّيَّةِ والمحبَّة.
التّقدمة إلى الهيكل سمعان الشّيخ
الرّسالة: عب 7: 20-28
سموّ الكهنوت الجديد
20 وما صارَ ذٰلكَ كلّهُ بغيرِ قسم، لأنّ أولٰئكَ اللّاويّينَ صاروا كهنةً بغيرِ قسم،
21 أمّا يسوعُ فبقسمٍ منَ القائلِ لهُ: "أقسمَ الرّبّ ولنْ يندمَ أنّكَ أنتَ كاهنٌ إلى الأبد".
22 فعلى أساسِ ذٰلك القسم، صارَ يسوعُ ضمانةً لعهدٍ أفضل.
23 ثمّ إنّ أولٰئكَ كانوا كهنةً كثيرين، لأنّ الموتَ كانَ يمنعُ بقاءهم.
24 أمّا يسوع، فبما أنّه باقٍ إلى الأبد، فلا زوالَ لكهنوتهِ.
25 ومن ثمّ فهو قادرٌ أن يُخلّصَ الّذينَ يتقرّبونَ بهِ إلى الله خلاصًا تامًّا، لأنّه حيٌّ على الدّوامِ ليشفعَ لهم.
26 أجل، كانَ يلائمنا عظيمُ أحبارٍ مثلُ هٰذا، قدّوس، بريء، نقيّ، قدِ ٱنفصلَ عنِ الخطأة، وصارَ أعلى منَ السّماوات.
27 وهو غيرُ مُضطرٍّ كلّ يوم، كعظماءِ الأحبار، أن يُقرّبَ ذبائحَ عن خطاياهُ هو أوّلًا، ثمّ عن خطايا الشّعب، لأنّه فعلَ ذٰلك مرّةً واحدةً حينَ قرّبَ نفسه.
28 فٱلشّريعةُ تُقيمُ عظماءَ أحبارٍ أناسًا ضعفاء، أمّا كلمةُ القسم، الّتي جاءتْ بعدَ الشّريعة، فتقيمُ ابنَ عظيمَ أحبارٍ جُعلِ كاملًا إلى الأبد.
شرح آيات الرّسالة:
20 قسَم: يشدّد الكاتب على القَسَم مرارًا (4/1-3؛ 6/13-20)، ويستشهد هنا لأوّل مرّة بٱلآية المزموريّة كاملة مع ذكر القَسَم (110/4). فالقَسَم دلالة على سموّ كهنوت المسيح وديمومته، بٱلنّسبة إلى الكهنوت اللّاويّ، الّذي كان يصير بطقوس مختلفة بغير قَسَم كهنوت المسيح الجديد يضمن عهدًا جديدًا أفضل (7/22؛9/15-23).
21 مز 110/4؛ عب 5/6؛ 6/20؛ 7/17.
22 عب 8/6-13؛ 12/24؛ لو 22/20؛ 2 قور 3/6.
24 عب 13/8.
25 عب 9/24؛ 10/14، 19؛ روم 8/34؛ 1 يو 2/1؛ رؤ 1/18.
حيّ على الدّوام ليشفع لهم: مُقابلَ الكهنة اللّاويّين الكثيرين المائتين (7/23). المسيح كاهن واحد أبديّ، لأنّه قام من بين الأموات، ودخل قدس أقداس السّماء، وجلس عن يمين الآب، مُكلَّلًا بٱلمجد والكرامة، فوق الألم والموت، ليشفع على الدّوام ويخلّص (9/24؛ روم 8/34)، مواصلًا في السّماء صلاة وشفاعة ووساطة بدأها على الأرض، بصراخ شديد ودموع (5/7).
26-28 مقطع أشبه بنشيد ليتورجيّ. يعود الكاتب يسمّي يسوع "عظيم أحبار"، بعد أن سمّاه "كاهنًا" في كلّ الفصل السّابق. في عظيم الأحبار هٰذا تحقّقت، على أكمل وجه، كلّ الصّفات المطلوبة من الكاهن اللّاويّ، المكرّس والمفصول لخدمة الله المقدّسة (أح 21؛ 22/1-9). سموّ كهنوت المسيح نابع من سموّ قداسته، ومن سموّ تقدمتِه نفسَهُ، بكونه ٱبنًا، للآب مرّةً واحدة، فبُلِّغ الكمال إلى الأبد.
26 عب 3/1؛ 4/14؛ 6/20؛ 8/1؛ 9/11.
27 عب 9/25-28؛ 10/11-14؛ 5/3؛ أح 9/7؛ 16/6، 15.
مرّة واحدة: قرّب المسيح نفسه لله الآب على الصّليب، قربانًا فريدًا كاملًا، فهو قَلْبُ تاريخ الخلاص (راجع شرح رسل 1/7). تمّ في ملء الزّمن (مر 1/15؛ غل 4/4)، في الزّمن المحدّد (روم 3/26)، فأنهى عهد ٱنتظار طويل (عب 1/1-2؛ روم 10/4)، وبدأ الزّمن النُّهْيَويّ، برغم أنّ اليوم الآخِر (1 قور 1/8؛ روم 2/6) لم يَحِنْ بعد، ونحن لا نزال في مرحلة متوسطة موقّتة (2قور 6/2)، لا نعرف مداها (1 تس 5/1)؛ فٱلخلاص كلّه مضمون منذ الآن، في شخص المسيح الحيّ القائم، لكلّ مؤمن يموت مع المسيح عن الخطيئة، ويقوم في حياة جديدة. فاعليّة تقدمة المسيح هٰذه المطلقة والنّهائيّة، هي قلب الرّسالة إلى العبرانيّين. تمّت كاملة ونهائيّة مرّةً واحدةً (7/27؛ 9/12، 26، 28؛ 10/10؛ روم 6/10؛ 1 بط 3/18)؛ لٰكنَّها تدوم إلى لأبد حاضرة في التّاريخ، دوامَ المسيح وحضوره. إنّها تقدمة واحدة، فريدة، لا نظير لها، (عب 10/12، 14)، تفوق، بما لا يُحَدّ، جميعَ تقادم العهد القديم وذبائحه المتعدّدة والمتكرّرة، وغير القادرة على تحقيق الخلاص الكامل.
29 عب 5/1-2، 9.
القسَم بعد الشّريعة: راجع شرح عب 7/11.
جُعل كاملًا: راجع شرح عب 2/10.
الإنجيل
لو 2: 25-35
تقدمة يسوع في الهيكل
25 وكان في أورشليم رجلٌ ٱسمه سمعان. وكان هٰذا الرّجُل بارًّا تقيًّا، ينتظرُ عزاء إسرائيل، والرّوح القدس كان عليه.
26 وكان الرّوح القدس قد أوحى إليه أنّه لن يرى الموت قبل أن يرى ميسح الرّبّ.
27 فجاء بدافعٍ من الرّوح إلى الهيكل. وعندما دَخَلَ بٱلصّبيّ يسوع أبواه، ليقوما بما تفرضُهُ التّوراة في شأنه،
28 حملَهُ سمعان على ذراعيه، وبارك الله وقال:
نشيد سمعان
29 "الآن تُطلق عبدكَ بسلام، أيّها السّيّد، بحسب قولِكَ،
30 لأنّ عينيّ قد أبصرتا خلاصَكَ،
31 ألّذي أعدَدتَهُ أمام الشّعوب كلِّها،
32 نورًا ينجلي للأمم، ومجدًا لِشعبكَ إسرائيل!".
33 وكان أبوهُ وأمّهُ يتعجّبان مِمّا يُقال فيه.
نبوءة سمعان
34 وباركهما سمعان، وقال لمريم أمّه: "ها إنّ هٰذا الطّفل قد جُعِلَ لِسقوط ونهوض كثيرين في إسرائيل، وآيةً للخصام.
35 وأنتِ أيضًا سيجوزُ في نفسكِ سيف، فتنجلي خفايا قلوبٍ كثيرة".
شرح آيات الإنجيل:
25 آش 40/1؛ 49/13؛ 51/12؛ 61/2؛ 42/1.
27أبواه: هٰكذا يدعو لوقا يوسف ومريم (41، 43)، كما يدعو يوسف أبا يسوع (33، 48)، مع تشديده على حبل مريم بيسوع حبلًا بقوّة روحٍ قدس (1/35). وهٰذا ما حدا بنسّاخ إلى ٱستعمال "يوسف ومريم" بدل "الأبوين": ليس ليسوع أبٌ سوى أبيه السّماويّ.
28 لو 2/20.
29-32 نشيد سمعان: يشبه أناشيد العهد القديم،
ولا سيّما أناشيد خادم الله المتألّم (آش 42/6؛ 49/6)، وهو يُشيد بدعوة الله الخلاصيّة لجميع الشّعوب عن طريق شعبه المختار، وهي دعوة غالية على الأنبياء.
30-31 آش 40/5؛ 52/10؛ لو 3/6؛ طي 2/11.
32 آش 42/6؛ 49/6؛ 45/25؛ 46/13؛ يو 8/12.
34 لو 7/23؛ 12/51-53؛ 20/17، 18؛ آش 8/14؛ 28/16؛ 1 قور 1/23؛ 1 بط 2/8.
وآيةً للخصام: يسوع علامة خلاص ونور ومجد (2/29-32)، وعلامة خصام (لو 12/51-53).
36 يو 19/25-27؛ 3/19؛ 9/39.
السّيف: يجوز السّيف نفس مريم، لأنّها ستشهد موت يسوع (يو 19/25)، ويمزّق جماعة شعب الله الّتي تمثّلها مريم، ٱبنة صهيون، لأنّ هٰذه الجماعة لن تؤمن بيسوع ورسالته، وإِن يبقَ منها بقيّة مؤمنة (حز 14/17-23).
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع القراءة: (زمن الميلاد المجيد جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1977).
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ.