جاء القرار اللبناني بعدم المشاركة في فريق المراقبين العرب استمرارا لسياسة "النأي بالنفس" عن الأزمة السورية، وعن العرب. كان يمكن هذا القرار ان يكون مفهوما ومقبولا لو ان لبنان الرسمي ينأى فعلا عن الأزمة، ولو انه يستطيع ذلك عمليا. غير انه برهن اكثر من مرة انه متواطئ قلبا وقالبا مع النظام ضد الشعب في سوريا.
والأدلة كثيرة. المعلن منها سياسي بلغ ذروته في مجلس الامن الدولي، وغير المعلن عسكري واستخباري يشهد عليه عدم الامان الذي يشعر به المعارضون السوريون اللاجئون في لبنان. لعل آخر الادلة كان في منع لبنانيين اكفياء من المجتمع المدني من المشاركة في عمل المراقبـين. فهذا عمل يتطلب خبرة وحيادا، وخلافا للعراقي او الاردني او الجزائري او حتى الخليجي المحايد، يبدو ان اللبـــناني المحايد غير مرغوب فيه، لا من حكومــته ولا من نظام دمشق.
اما البلبلة الهزلية التي احدثتها تصريحات وزير الدفاع عن انتقال عناصر من تنظيم "القاعدة" الارهابي الى سوريا عبر لبنان، فكشفت ما كان يعتبر مستورا في الخط السياسي الذي تتبعه الحكومة ازاء الازمة السورية. اذ تبين انه ليس خطا حكوميا وانما هو استنسابات شخصية او حزبية بحسب القرب من دمشق او البعد عنها، وبحسب المرجع السوري الذي ينفث التوجيهات. تبيــن ايضا ان هناك مكلفين اقل حرفية من مكلفين آخرين بتنفيذ التعليمات.
ليس معروفا حتى الآن اذا كان وزير الدفاع ادرك اخيرا انه بكلامه غير المسؤول وضع قرية اسمها عرسال تحت الخطر. ليس باتهامها بإيواء عناصر من "القاعدة" فهذا لم يصدقه احد، وانما بوضعها على خريطة الاستهداف السوري الى جانب قرى اخرى في الشمال. وقد دفع هذا الخطر المحتمل قوى سياسية "14 آذارية" الى زيارات تضامن مع عرسال واهلها. اما الحكومة التي بذلت جهدا لنفي الهراء "القاعدي" فلم تجد داعيا لطمأنة القرية ربما لأنها مصنفة سياسيا مع المعارضة.
لم يكن اداء الدولة، حكومة وأجهزة، بأفضل حيال التوغل السوري وقتل ثلاثة مواطنين في وادي خالد. بدا كأن كلمة السر هي "لفلفة" الحادث وتناسيه. لكن مثل هذه "اللفلفة" هو ما يستدعي الازمة السورية استدعاء الى الاراضي اللبنانية، ولا يساهم ابدا في النأي عنها.
كان الخط السياسي الاسلم للبنان الرسمي الا يتواطأ مع النظام اذا كان عاجزا عن التضامن مع الشعب. لكن هذا يتطلب حكومة اكثر ادراكا للمصلحة الحقـــــيقية للبنان. فهو ليس البلد الوحيد المتاخم لســـــوريا، لكن العراق والاردن اكثر تحصنا منه لدرء تداعيات الازمة السورية عليهما.