#adsense

خطاب العدم..

حجم الخط

يشبه الحساب الناشف خطاب أهل الممانعة وفيه "قمّة" علم المنطق والحساب. حيث المقدّمات تحدّد النهايات، وحيث لغة الأرقام متماسكة لا تحتمل أي إضافات: حاصل جمع واحد زائد واحد يساوي اثنين. ونقطة انتهى النقاش!
خطاب الإنكار والمبالغة والتزوير، والاستناد الى قراءات ذاتية، مُغرقة في التفاؤل وفي الاعتماد على قوة النيران والاستعداد الدائم للذهاب الى أبعد مما يعتقد الآخرون، كل ذلك ولّد اصطداماً لئيماً وقاسياً مع وقائع هذه الدنيا، وما كان ليؤدي الى أي نتيجة غير تلك البارزة المختالة أمامنا في سوريا أكثر من أي مكان "ممانع" آخر.

يصرّ أهل ذلك الخطاب على اعتماده. وفي إصرارهم فضيحة مزدوجة: من جهة يؤكدون غربتهم عن الواقع وإبحارهم في تخيّلات تشبه تلك التي تركب المفلسين. ومن جهة ثانية، يؤكدون ما يعتقده الآخرون فيهم تماماً بتاتاً، لجهة ذلك الإفلاس ومحاولة الايحاء بقوة جبّارة ليست في حقيقتها إلا ضعفاً يُضرب به المثل.

منذ مطلع الثورة السورية في درعا وشقيقاتها بدأ ذلك البناء الخاوي في التداعي، وبدأت انكشافات الخواء تتراكم فوق بعضها، وبدأت في موازاة ذلك الانحدار أناشيد ولا أغرب، تمجّد العزلة باعتبارها فتحاً للدنيا من أولها الى آخرها. وتمجّد انعدام الصدقية الشرعية باعتبارها كل من يتحرك ضد السلطة متآمراً صلباً في منظومة الأميركيين والإسرائيليين.

..وتمجّد العقوبات الاقتصادية باعتبارها منفذاً وشاشة لعرض مقومات الاكتفاء الذاتي. وتمجّد تزوير البيانات والأفلام والاختراعات البدائية باعتبارها مدرسة إعلامية لو رجع أساطين النظام الهتلري وأولهم غوبلز لانحنوا أمامها احتراماً. وتمجّد العنف العاري للسلطة ضد مدنيين عزّل باعتباره دليلاً على قوّة السلطة وشدّة بأسها. وتمجّد المجازر المرتكبة ضد أهل المدن السورية من إدلب شمالاً الى درعا جنوباً باعتبارها دروساً في فنون مقارعة الأعداء. وتمجّد إرسال الدبابات والمدرّعات الى شوارع البلدات والقرى باعتباره تمهيداً حتمياً وتدريباً ميدانياً على طريق الصعود الى الجولان المحتل. وتمجّد انقطاع السبل والعلاقات الديبلوماسية مع القريب والبعيد باعتباره تفرّداً لا يليق إلا بأهل الرسالات السماوية. وتمجّد خسارة كل ما بُني من علاقات عربية وغربية على مدى السنوات الماضيات باعتباره تصديقاً لفكرة المؤامرة الشريرة على دولة الممانعة والمقاومة. وتمجّد بدء انحدار سعر صرف العملة الوطنية وارتفاع أسعار المواد الغذائية وفقدان المحروقات باعتباره دليلاً لا يُناقش ولا يُجادل الى مدى صلابة الوضع الاقتصادي.

..وغير ذلك الكثير من مفردات الغرابة في كتاب ممانعي آخر زمن، الآخذين على أنفسهم عهداً لا تُفكّ عروته، ولا يُفلّ حديده: نحن السلطة أو لا أحد.. نحن السلطة أو الخراب العميم ..نحن السلطة أو المذبحة المفتوحة حتى آخر سوري!
إما أن تكون هذه هي الممانعة، أو ليتها ما كانت!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل