كتبت مايا العشي في صحيفة "الجمهورية": قبل أسبوعين من مغادرته لبنان، أصدر القائد العام لقوات "اليونيفيل" الميجورالجنرال البرتو آسارتا كتاباً بعنوان "لبنان في القلب"، تضمن 93 صفحة غنية بالصور، تعبيراً عن محبته للبنان. هو الذي سمّي "المحارب لأجل السلام" يغادر وفي قلبه مكانة خاصة لهذا البلد الذي أحبّ.
ويستذكر آسارتا، الفترة التي أمضاها كقائد للقطاع الشرقي في "اليونيفيل"، ما بين كانون الاول 2008، حتى نيسان 2009، فيقول "على رغم من أنني لم أمضِ هنا سوى أربعة أشهر، سرعان ما احتلت هذه البلاد مكانة خاصة في قلبي، وصارت جزءاً من تاريخي، وها هي الآن تصبح أيضاً جزءاً من مستقبلي، مع توليّ مهماتي الجديدة".
ويضيف آسارتا "خلال المدة التي أمضيتها هنا، أرسيت علاقات جيدة جداً مع جميع المشاركين في هذه البعثة، عسكريين ومدنيين، والمرجعيات الدينية والعسكرية ومع الأهالي والإعلاميين".
وبعد توقيع كتابه، الذي يفرد فيه حيزاً مهماً لمراسلي وسائل الإعلام العاملة في الشريط الحدودي. أعرب آسارتا عن حزنه لإقتراب موعد مغادرته لبنان، بعدما تعرّف على "شعب كريم مسالم يحب الحياة"، مؤكدا أن تجربته العسكرية فيه، ستبقى ماثلة أمام عينيه، ووعد بالعودة مجدداً الى لبنان، متمنياً "أن يعم السلام والأمان والهدوء هذا البلد الذي أُحِب".
وعلمت "الجمهورية"، أن آسارتا سيتولّى منصباً رسمياً رفيع المستوى في بلاده، إذ سيُرقّى إلى رتبة لفتنانت جنرال (عماد)، وسيتسلم قيادة وحدة الطوارئ العسكرية في إسبانيا (UME Unidad Militar de Emergencias، خلفاً للفتنانت جنرال خوسيه اميليو رولدان باسكوال، وسيقود آسارتا هذه الوحدة، التي أنشئت بموجب قرار حكومي في 7 تشرين الأول 2005، والمؤلّفة من 4310 من الجنود والمجندات الأسبان، للعمل في الظروف غير المؤاتية، مثل الحرائق والفيضانات والزلازل والمواد البيولوجية والكيميائية في اسبانيا والخارج. وتنتشر هذه الوحدة في قواعد جوية في توريخون (مدريد) ومورون (اشبيلية)، Bétera (فالنسيا)، وسرقسطة، وسان أندريس دي Rabanedo (ليون)، وجاندو (لاس بالماس). وهذه الوحدة مجهزة أحدث التقنيات في مجال البيئة، والبيئة الريفية والبحرية، كالمروحيات والطائرات المائية لمكافحة الحرائق، وعربات الإطفاء التي تعمل في كل التضاريس، وسيارات الإسعاف والمركبات الخفيفة والشاحنات، وآليات مكافحة الثلوج، وقوارب، وآلات تطهير الردم.
ورسمت إدارة الطوارئ (موزانتها 903 ملايين يورو) خطتها الإستراتيجية لسنتي 2012-2013، في اكتساب القدرة على التدخل في حالات الكوارث التكنولوجية (بما في ذلك اكتساب قدرات (CBRN) النووية والكيميائية والبيولوجية) واستكمال الإندماج في النظام العالمي للحماية المدنية، وهي واحدة من ركائز نشاط فريق (Tragsa) لتعزيز التنمية المستدامة في المناطق الريفية والمشاريع البحرية التي تعنى بالبيئة، في وقت أدت الزيادة الكبيرة في حالات الكوارث الطبيعية والإعتداءات البيئية في السنوات الأخيرة وتغير المناخ والتهديدات الأمنية، الى خطر كبير وفقاً لاستراتيجيات مختلفة في أوروبا.
وتقول المعلومات، إن تعيين ضابط كبير كآسارتا، ذي خلفية متميزة وخبرات مهنية واسعة، سيعطي دفعاً جديداً لهذه الوحدة.
ولم يغالِ آسارتا القول، حين رفع شعار "اذا أردت السلام توجه إلى الجنوب، وعلى رغم من التحدّيات، والإعتداءات، وإطلاق الصواريخ، لم يزل الجنوب، بفضل رجال القبعات الزرق، وجنود الجيش اللبناني، وأهالي الجنوب، ينعم بالأمن والإستقرار".
وفيما يستعد آسارتا لمغادرة لبنان في 28 الجاري، منهياً ولاية إستمرت سنتين خلفاً للقائد الإيطالي الميجور جنرال كلاوديو غراتسيانو، فإنه سيسلّم الأمانة في اليوم نفسه الى القائد الإيطالي الجديد الذي عينه أول من أمس، الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، وهو الميجور جنرال باولو سيرا، أحد قادة ألوية الجيش الإيطالي، الذي عمل سابقاً في إطار مهمّات القوة الإيطالية في أفغانستان.
إلا أن الجنوبيين يؤكدون أنهم لا يمكنهم أن ينسوا تضحيات آسارتا، "صاحب الرؤية والحكمة، الذي عمل مع ضباطه وجنوده، على مدار الساعة، وفي أيام الأسبوع كافة، بعيدا من عائلاتهم، لتحقيق الأهداف التي يصبون إليها، في سبيل تعزيز السلام وترسيخ الإستقرار".
مسيرة طويلة
ولد آسارتا في مدينة سرقسطة في إسبانيا، في 14 تشرين الثاني من العام 1951، ويتحدث اللغتين الإنكليزية والفرنسية بطلاقة. وبدأ مسيرته العسكرية كضابط مشاة عام 1975، ثم رُقي في مناصب ضمن مواقع وبعثات متعددة، من بينها البوسنة والهرسك، والسلفادور، والعراق ولبنان. حيث خدم في فريق مراقبي الأمم المتحدة في أمريكا الوسطى (ONUCA). وفي قيادة القوة الأوروبية المشتركة (EUROCORPS) وشارك في عمليات القوة المتعددة الجنسيات (IFOR)، وفي قوة إرساء الإستقرار "سفور" (SFOR) التابعة لحلف شمال الأطلسي "الناتو" (NATO) في سراييفو. وفي العام 2003 عين آسارتا نائباً لقائد اللواء الأسباني في عملية "حرية العراق".
ومن بين المناصب التي شغلها، منصب قائد القطاع الشرقي في "اليونيفيل" برتبة بريغادير جنرال، ما بين كانون الاول 2008، حتى نيسان 2009، في القاعدة العسكرية الأسبانية "ميغيل دو ثيرفانتس" في سهل إبل السقي قرب مرجعيون.
وإذا ما سألت عن الصفة التي يطلقها عارفوه عليه، فهي "الرجل الذي يحارب من أجل السلام في لبنان"، ويشير هؤلاء الى أن آسارتا "عمل بلا كلل من أجل إنجاز ولاية البعثة الدولية بأمانة، وشكّل مرساة أمل لتحقيق السلام المنشود، مكملاً ما بدأه سلفه الجنرال غراتسيانو، وفي كل مرة كان يؤكد تمسّكه بقرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1701، وإصراره على الإستمرار في تطبيقه كاملاً".
والجدير ذكره أن آسارتا بذل جهوداً مضنية مع الخارجية الإسرائيلية لحلّ معضلة الغجر، وتقدّم بخطة من خمس نقاط تُرضي الجانبين اللبناني والإسرائيلي، لانسحاب وشيك لجيش الإحتلال منها، وكانت إسرائيل في كل مرة تماطل، ولا تزال قضية الغجر حتى الساعة، مسألة شائكة بالغة التعقيد، لوقوعها في زاوية ضيقة بين ثلاث دول، لبنان، سوريا وإسرائيل،.
إلى ذلك، عرف آسارتا بتعزيزه التعاون الإيجابي بين "اليونيفيل" والجيش اللبناني، وفي توطيد أواصر العلاقات مع أهالي الجنوب. وتعزيز قدرات الجيش لفرض سيطرته الأمنية بفعالية في منطقة عمليات اليونيفيل. ولطالما ردّد أنه "من دون وقف دائم لإطلاق النار، سيصعب الحفاظ على الإنجازات التي تحقّقها "اليونيفيل" على المدى الطويل، ولن يزول إحتمال تصاعد الحوادث التي تقع على طول الخط الأزرق، لتتحول إلى صراع أشمل.
إنخراط في العادات اللبنانية
ولعلّ أبرز ما يميّز شخصية آسارتا، الذي لامس عديد "اليونيفيل" في عهده الـ13500 من 36 دولة، (تشكل اسبانيا رابع أكبر مساهم بكتيبة تضم 1100 جندي ومجندة)، هو إنخراطه في العادات اللبنانية، فهو الذي يجاهر بمحبته للأكلات الشعبية اللبنانية ولا سيما منها التبّولة، وتعلقه بشرب "نفس" أركيلة في كل مناسبة تجمعه إلى مائدة أصدقائه اللبنانيين الكثر، وقد أعرب عما يختلج فؤاده من مشاعر تجاه لبنان الذي أحب، في الكتاب الذي ألفه، وحمل عنوان "لبنان في القلب".