انطلقت "قوى 8 آذار" متعاضدة متكاتفة في الاشهر الاولى لعام 2011 مستندة الى عناصر قوة ساعدتها على قلب الأكثرية النيابية الى أقلية. وشكّلت حكومتها مستفيدة من تقاطع إقليمي مؤاتٍ لم تلبث أن تغيرت معالمه مع اجتياح الربيع العربي الأراضي السورية، فظهرت بشائر التضعضع الحكومي، وساهم في تأجيجه التهافت على تقاسم الحصص قبل سقوط حكومة كان من المفترض أن تعمّر حتى الانتخابات النيابية المقبلة عام 2013.
استهلت "قوى 8 آذار" العام المنصرم بحكومة اللون الواحد: "حزب الله" سمّى رئيسها وأنجز توزيع مقاعدها بما يؤمّن هيمنته على اطرافها، واثقاً من أن رياح التغيير في العالم العربي لن تخرق أبواب سوريا المصفحة بمفاهيم الممانعة وحاضنة مقاومة إسرائيل بالتكافل والتضامن مع شريكتها ايران.
لكنّ حساب الحقل لم ينطبق على حساب البيدر. اندلعت الثورة في سوريا منتصف آذار الماضي وهي مستمرة رغم قمع دموي حصد نحو ستة آلاف ضحية. اهتز نظام الرئيس بشار الاسد وانبرت "قوى 8 آذار" لتدعمه بوضوح فاقع لأن انهياره يؤدي إلى تراجع نفوذ إيران في المنطقة باعتباره حلقة الوصل بين طهران وبغداد وبيروت.
واستعجل النائب ميشال عون، حليف "حزب الله" الأول في الحكومة، تكريس نتائج حصتة الوازنة في الحكومة في مجال التعيينات والقوانين المناسبة لمصالحه الانتخابية مما انعكس اضطرابا في العلاقة تجلّى في كيفية تصويت وزراء الطرفين على مشاريع طُرحت على طاولة مجلس الوزراء.
وسمح انقلاب الأحوال في سوريا لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي بالتفلت قليلاً من نير "حزب الله"، لثقته بصعوبة تشكيل حكومة اخرى بعد تضعضع الأكثرية التي أتت به إثر انحياز حليفها المستجد النائب وليد جنبلاط تماماً الى الشعب السوري ودعوته الى تغيير جذري للنظام.
وهكذا أنهى "حزب الله" عام 2011 وقد باتت حكومته بين نارين: نار "قوى 14 آذار" المعارضة ونار أطراف مشاركة فيها. فرغم أن "حزب الله" عضّ على جرحه وقبل بتمويل المحكمة الدولية التي اتهمت أربعة من كوادره بالضلوع في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لم يتوقف النائب عون عن مهاجمة الرئيس ميقاتي وآخرها استهدافه لصلاحيات رئيس الحكومة.
وتجلّى ضعف الحكومة في ردّ مجلس الشورى ثلاث مرات لمرسوم تصحيح الاجور بسبب الخلاف بين اطرافها فكيف بما ينتظرها من تعيينات وموازنة و…..
وبما أن للثورة السورية تأثيراً مباشراً على موازين القوى السياسية، لم تتلكأ "قوى 14 آذار" في إعلان دعمها المعنوي لحراك الشعب السوري، لكن الدعم الحقيقي يتطلب التركيز على استهداف أدوات دمشق في لبنان وعلى تحضير إطار يستقبل من سيتساقطون بعد غياب نظام الرئيس الاسد من حلفائه الحاليين.
فبقاء النظام السوري يثبّت النفوذ الايراني في المنطقة ويتيح لـ"حزب الله" الإطباق الكامل على مفاصل الحياة الوطنية، فيما سقوطه يُفقد النفوذ الايراني سطوته ويفقد "حزب الله" قدرته على التحكم بأوجه الحياة الوطنية.
ويتوجب على "قوى 14 آذار" الاستفادة من المرحلة المفصلية الراهنة أولاً لإسقاط حكومة باتت ضعيفة وغير منتجة وتساهم في التعمية على الاختراقات السورية الحدودية وعلى استهداف المعارضين السوريين من قبل أجهزة رسمية وغير رسمية بما يؤدي عملياً إلى ربط لبنان أمنياً بسوريا ويشرّع ابوابه على تداعيات أزمتها، وثانياً لوضع سلاح "حزب الله" تحت سلطة الشرعية حتى لا تتكرس معادلات تمنح قوى الأمر الواقع مشروعية عجزت عن فرضها بقوة السلاح، ودعماً لمشروع بناء الدولة الحديثة والابتعاد عن محاولات توظيف النتائج المرتقبة لسقوط النظام السوري في حسابات ربح وخسارة فئوية أو حزبية أو طائفية.
ومن المشروع التساؤل عن مغزى التلهي بأمور ليست أولوية في التقاطع الراهن مثل البحث التقني في قانون للانتخابات لن يتحدد معناه الفعلي قبل سقوط نظام دمشق لأن مجموعة من الحلفاء المسيحيين والمسلمين ستنهار معه.
فعدم تحديد الأولويات بدقة والتركيز عليها مضرّ، خصوصاً وأن حلفاء سوريا لا يتورعون عن اثارة ملفات تخدم مصالح دمشق مثل الكلام عن وجود لـ"القاعدة" والذي استندت إليه دمشق لتحمّل التنظيم الارهابي مسؤولية تفجيرات انتحارية تزامنت مع بدء مهمة المراقبين العرب على أراضيها.
وتبدو مهمة المراقبين العرب متجهة إلى فشل مؤكد يفتح الباب أمام إحالة ملف الأزمة السورية إلى مجلس الأمن الدولي الذي سينعقد الثلاثاء المقبل في هذا الخصوص.
وفشلهم مصدره خصوصا طبيعة البيئة الرسمية المحيطة بعملهم رغم تكهنات تعزو مهادنة تصريحاتهم للنظام إلى حاجتهم لاستكمال عناصر تقريرهم. وتنظر اللجنة الوزارية المختصة الأحد في أول هذه التقارير، كما تنظر في دعوة رئيس البرلمان العربي علي الدقباسي الى سحبهم لان وجودهم مع استمرار القمع الدموي "يتيح للنظام السوري غطاء عربيا لممارسة أعماله غير الانسانية تحت سمع وبصر جامعة الدول العربية".