في وسع المتابع للشأن العام في البلاد أن يقرأ أو أن يسمع موقفاً لهذا الفريق السياسيّ أو ذاك من حدث معيّن أو من حادثة معيّنة أو من موضوع مهمّ، غير أنّه ليس في وسعه على الإطلاق أن "يعثر" على ما يُنير قراءته للتطوّرات واحتمالاتها، أو على ما يرشده إلى المرحلة اللبنانيّة المقبلة. إلى حدّ كبير يتساوى الفريقان الأساسيّان في ذلك: فريق "حزب الله" من جهة وفريق 14 آذار من جهة ثانية.
في الظاهر أنّ ثمّة "سرّية" من جانب الفريقين في التعبير عن تصوّراتهما.. أو أنّ ثمّة "تقيّة" سياسيّة. وسواء كان الأمر سرّية أو تقيّة فإنّ ذلك يترك اللبنانيّين في لون من ألوان الضياع.
بيدَ أنّ حقيقةَ الأمر، أي في ما يتجاوز الظاهر، هي أنّ هناك ارتباكاً يدور فيه الفريقان، كلّ منهما لاعتبارات مختلفة.
لا شكّ أنّ "حزب الله" يعيشُ تأزّماً مثلّث الأضلاع. تأزمٌ ناجمٌ عن انهيار حليفه النظام السوريّ، ذلك الانهيار الذي تظهر حتميّته يوميّاً. وتسجيلُ هذا التأزّم ليسَ استنتاجاً بل هو معلومات من داخل الحزب تؤكّد أنّه يعرف أنّ نظام الأسد ساقط وتقول – أي المعلومات – أنّ الحزب يطرح على نفسه سؤالاً: وماذا بعد؟ وتأزّم ناجمٌ عن "المشاكل" المتشعّبة التي يعاني منها النظام في إيران، والتي لا تسترها "بهورات" هذا النظام… وصولاً إلى مضيق هرمز، أي تأزّمٌ مفتوح على كلّ الاحتمالات في المركز الإيراني لـ"حزب الله". ثمّ تأزّم ناجم عن مأزق علاقة الحزب بالمجتمع اللبنانيّ وبـ"التركيبة" اللبنانيّة في ضوء التجربة منذ 2006 وحتّى اليوم.
هذه الأضلع الثلاثة هي في السياسة. تتعلّق بما يمكن تسميتها "أزمة المشروع" في ظلّ المعطيات في لبنان وحول لبنان. أزمةٌ ليسَ الجواب عنها أقلّ من صوغ مشروع جديد يعيد "حزب الله" بواسطته تقديم مبرّرات ومقوّمات وجوده. وذلك من دون الحديث عن الجانب البنيويّ – التنظيميّ. ففي هذا الجانب تفيدُ المعلومات من داخل الحزب عن "إضطرار" الأمين العام السيّد حسن نصرالله إلى الإمساك المباشر بـ"الملّف التنظيميّ" بعد كوارث فساد وسوء استخدام المواقع والاختراقات الأمنيّة وسلسلة إجراءات بإبعاد مسؤولين و بـ"تشذيب" الهيكليّة.
إذاً إنّ التقيّة السياسيّة في الظاهر، والتي يتخلّلها تهويل على الآخرين بين الحين والآخر، لا تخفي أزمة عميقة يتعاطى "حزب الله" معها بارتباك. هذا فيما يفترضُ بالحزب أن يقوّم المعطيات من أجل تحديد خسائره نحو صوغ عمله السياسيّ الجديد بالعلاقة مع البلد ومكوّناته… ودولته لأنّه لا يمكنه أن يعيش "لوحده".
في غضون ذلك تُعاني 14 آذار ارتباكاً هي أيضاً.
فـ"التحالف الاستقلالي" يواصلُ – بالجملة والمفرّق – عملاً سياسيّاً تقليديّاً في مرحلة استثنائيّة عربيّاً ولبنانيّاً. والحقّ يُقال إنّ أحداً لا يعترض على أداء 14 آذار كمعارضة نيابيّة تؤدّي بشكل برلمانيّ عريق.
غير أنّ "الشكوى" هنا هي من مسألتين. الأولى أنّ 14 آذار بالرغم من تشاطرها الموقف الداعم للربيع العربيّ لا تملك قراءة موحّدة لأبعاده ومضامينه ومعانيه. أمّا الثانية فهي – بنتيجة الأولى – غياب الرؤية الواحدة إلى مستقبل لبنان، غياب المشروع الذي يجب طرحه على كلّ اللبنانيّين. وذلك كلّه ما أدّى ويؤدّي إلى ذهاب كلّ مكوّن من 14 آذار على حِدة إلى تفصيل من هنا وتفصيل من هناك أيّاً تكن أهمّية هذا التفصيل أو ذاك، وهذا ما أدّى ويؤدّي إلى لون من التفكّك… بل إلى امتناع تجديد ربيع لبنان.
يحصلُ ذلك مع 14 آذار، بالرغم من التطوّرات العربيّة التي تصبّ في مصلحة لبنان قبلَ أن تصبّ في مصلحتها هي.
وهكذا فإنّ المعادلة اللبنانيّة تبدو اليوم على النحو الآتي: فريق لا تريحه التطوّرات وما تحمله من توازنات، لكنّه لا يخرج باستنتاجات ولا يصوغ سياسته بحكمة ولا يمهّد لـ"جديد" يمكنه على أساسه خدمة لبنان، وهذا الفريق هو "حزب الله". وفريق آخر تريحه التطوّرات وما تحمله من توازنات، لكنّه لا يجاهر برؤية جديدة إلى الجديد، وهذا الفريق هو 14 آذار.
الفريق الأوّل يبدو أنّه لا يعرف كيف يتأقلم ويتجدّد. والفريق الثاني يبدو أنّه لا يعرف كيف يستفيد ليجدّد. ومن الواضح أنّ الحديث هنا هو عن تأقلم واستفادة وليس عن خسارة وربح، لأنّ المطلوب – والمطروح تالياً – هو كيف يتحقّق خلاصُ لبنان.
و"الضحيّة" هو "الرأي العام". فلماذا لا يتجرّأ "حزب الله" على مخاطبة اللبنانيّين بما يضمره للبنان، أي بما يراه؟ ولماذا لا تبادر 14 آذار إلى مخاطبة اللبنانيّين بمشروع مستقبليّ يُفترض أنّها الأقدر على بلوَرته؟
فأسوأ ما في الأمر، في هذه اللحظة المفصليّة وأمام فرصة تاريخيّة للبنان، أن تبقى "النوايا السياسيّة" مجهولة… أللهم إلّا إذا كانت سيّئة لدى البعض!