فيما يعرف رئيس الحكومة نجيب ميقاتي أنه غير قادر على ضبط أداء معظم وزرائه، لأن لكل منهم غطاءه وقدراته الذاتية التي تحميه من ارتكاب أية مخالفة او الخوض في ما لا يفهم عقباه، فإن رئيس مجلس النواب نبيه بري يتصرف مع مطالب النواب من قوى 14 آذار وكأنها في آخر اهتماماته، مثل الدعوة الى جلسة عامة لمناقشة وزير الدفاع فايز غصن على هفوته المقصودة في الحديث عن عناصر تنظيم القاعدة في بلدة عرسال – البقاع. كذلك هفوة وزير الخارجية عدنان منصور عندما يأتي على ذكر الأحداث في سوريا والموقف اللبناني الرسمي منها، وحدث ولا حرج عن ارتكابات وزراء تكتل التغيير والاصلاح بالنسبة الى مشكلة الكهرباء ومشكلة تصحيح الأجور ومشكلة المازوت الأخطر، فضلاً عن مشاكل الغلاء والتسيب في الادارات التابعة لهم.
وأمام هذا الواقع المخيف والمذل، تطلع بين الفينة والأخرى تمنيات بحجم العودة الى الحوار الوطني مع علم من يعلم او لا يعلم ان المدخل الى الحوار هو الاعتراف بالحاجة الى استراتيجية واضحة للدولة تحدد ماهية السلاح الشرعي وتسقط كل ما عداه، بما في ذلك فتح المناطق أمام الدولة من دون حاجة الى تبجح من هنا وكذب من هناك.
فوزير الداخلية العميد مروان شربل قد صحح معلومات البعض القائلة ان في البلد مناطق محظورة، وهو قال العكس، ربما لأنه لا يعرف ان منطقة الضاحية الجنوبية للعاصمة لا يتوفر فيها شرطي سير، الا اذا كان معاليه قد قصد وجود مخافر لكنه لم يكن بحاجة الى ان يحلف بالله العظيم على ان القوى الأمنية مؤهلة لأن تقوم بدورها وبواجبها، بدليل البناء العشوائي في الأملاك الخاصة والعامة مثلاً، إضافة الى ان استعدادات قطع الطرقات متوفرة على مدار الساعة!
وفي عودة الى «خبرية تنظيم القاعدة في بلدة عرسال»، فإن وزير الدفاع قال ما قاله من دون ان يأتي على ذكر واقعة تؤكد معلوماته، وهو قد احتاج الى «زعيمه» رئيس تيار المردة النائب سليمان فرنجية الذي أنجده على طريقة لا توفر أدنى مستويات الأدلة، كي لا نقول ان فرنجية زاد طين التساؤل والاستغراب بلة!
واللافت أكثر، ان مجلس الوزراء ممنوع عليه مقاربة ملف تصحيح الأجور كي لا يزعل العماد المتقاعد ميشال عون وبعض الوزراء من «الجماعة البرتقالية» ممن يتمتعون بغطاء حلفاء لا مجال أمام أحد لإثارة غضبهم «لأنهم يتمتعون بقدرة فرض شروطهم». وهذه الوقائع لا تحتاج الى من يؤكدها او ينفيها طالما أنها مثبتة في صلب مجلسي النواب والوزراء وبنسبة مرتفعة من فرض الأمر الواقع شاء من شاء وأبى من أبى؟!
أما أولئك الذين وعدوا المواطن بتعيينات ومناقلات إدارية، فإنهم لم يفوا بتعهداتهم «لأن حصصهم غير مكتملة وتحتاج الى جلسات مقايضة من النوع القائل ان لكل من المسؤولين نصيبه، ولا حاجة لانتظار لومة لائم «لأن قدرات الحل والربط متوفرة لدى من يعنيهم الأمر ممن دأب أخيراً على «وضع التعيينات والمناقلات على نار حامية» المقصود منها نار مصالحه ونار من يعرف كيف يمرر الباطل تحت عنوان الحق!
وجديد الموازنة العامة لا يختلف عن الواقع المخيف للدولة بمختلف مؤسساتها وأركانها، حيث كان يقال ان أرقام المديونية محسوبة بدقة فيما تؤكد الوقائع ان «التسيب المالي ليس أفضل من التسيب الأمني والسياسي». ولولا القبضة الحديدية التي تسير مالية الدولة عبر المصرف المركزي وحاكمه رياض سلامه وفريق عمله لكنا في وضع إفلاسي قريب من أحوال معظم الدول الفرنكوفونية!
وما يثير الدهشة والاستغراب، ان الاتحاد العمالي العام قد علق اضرابه ليس لأنه نال ما يطالب به من تصحيح للأجور، بل لأن جهات أفهمته مباشرة أنها لا تسمح بأي خروج على الانضباط السياسي حتى إشعار آخر (…) لاسيما ان شروط رئيس الاتحاد غسان غصن تكاد تصبح نوعاً من «الجاهلية المطلبية» ان لم نقل مطالب خاضعة لشروط سياسية – حزبية من بعدها الشيطان؟!