عام 1974 كان معدل الدخل الفردي في لبنان 2200 دولار في مقابل 1000 دولار معدل دخل الفرد في قبرص. وجزيرة قبرص كانت شهدت احداثا صدامية ما بين الغالبية الارثوذكسية والاقلية الاسلامية، ونتج من ذلك انقسام فعلي ما بين شطري الجزيرة.
القبارصة اليونانيون اعتمدوا سياسة لاعادة بناء بلدهم وركزوا على بناء ما تهدم، وانشاء الطرق السريعة والواسعة، وانجاز شبكة اتصالات متطورة، وكرسوا القانون في معاملاتهم، وافسحوا في مجال اقامة الشركات التي يجري نشاطها خارج الجزيرة وذلك في مقابل رسوم بسيطة.
اعتماداً على السياحة، وتمويل الطرق ومنشآت حيوية بواسطة قروض من مؤسسات عربية في المقام الاول، واستتباب الامن، وتسهيل معاملات انجاز الشركات، والتملك، ارتفع دخل القبارصة من مستوى يوازي نصف دخل اللبناني عام 1974 الى معدل دخل يوازي ثلاثة اضعاف دخل اللبناني عام 2010 ويزيد.
ان هذه النتيجة الفاقعة تبين كم اهدرنا من الفرص وكم اخرنا مشاريع التطوير، وشبكات اتصالاتنا، وطرقنا وتمديداتنا الاساسية متأخرة كثيراً عما هي في قبرص، التي سبقتنا حتى في مجال اختزان المياه، وتساقط المياه شحيح في الجزيرة، والاعتماد على الطاقة الشمسية.
وبعد كل هذا نقرأ منذ ستة اشهر ان قبرص تعاقدت على التنقيب عن النفط والغاز، مع شركة "نوبل" التي اكتشفت حقول الغاز في اسرائيل، والتي منها حقل على الاقل يمتد تحت المياه الاقليمية اللبنانية. والاسبوع المنصرم نقرأ ان شركة "نوبل" حققت اكتشافات للغاز في المياه القبرصية، ستوفر 80 الف مليون قدم مكعب من الغاز كاحتياط لقبرص، وهذا الرقم الذي هو الرقم الاولي يترجم بما يساوي على صعيد الطاقة 13 مليار برميل من النفط، قيمتها باسعار اليوم (100 دولار للبرميل) تريليون وثلاثمائة مليون دولار.
هذا الرقم الخيالي لاول احتياط يكتشف في المياه القبرصية بسرعة صاروخية يفيد عن ثروة يوازي مقدارها دخل لبنان القومي حالياً (نحو 50 مليار دولار) لفترة 26 سنة.
والاخبار من قبرص لا تتوقف عند هذا الحد. فكما ذكرنا قبل اسبوعين، تعاقدت مجموعة "نوبل" مع شركائها الإسرائيليين على اقامة مصنع للغاز السائل في قبرص بكلفة توازي 10 مليارات دولار، وذلك بقصد تصدير الغاز الاسرائيلي، وكما اصبح واضحاً الغاز القبرصي، مسيلاً الى اوروبا الغربية، على غرار صادرات الجزائر وقطر ونروج.
لبنان على ما يبدو، قارب اقرار مراسيم تنفيذ القوانين المتعلقة بالبحث عن النفط والغاز، ووزير الطاقة اعلن ان في وسع لبنان اطلاق التنقيب في اكثر من منطقة، وكنا اشرنا الى ذلك قبل اشهر، كما اشرنا الى ان لبنان استقطب اهتمام تسع شركات عالمية للبحث عن النفط والغاز في المنطقة الواقعة بين البترون وطرابلس، والتي مسحت وحددت مناطق للبحث والتنقيب في مياهها.
فرص العثور على النفط والغاز مدروسة منذ زمن طويل في لبنان، والمصافي التي كانت قائمة اهملت وتوقفت عن العمل، وانشاء مصفاتين حديثتين بطاقة تكفي حاجات لبنان، وتحقيق بعض الصادرات ربما هي عملية تبلغ كلفتها 2,5 – 3 مليارات دولار، والمصالح المتجذرة حالت دون أي توجه ايجابي على هذا الصعيد. ومستوردات المشتقات النفطية صارت البند الاعلى كلفة في لبنان، الذي شهد للمرة الاولى منذ عام 1993 عجزاً على حساب ميزان المدفوعات بلغ 2,5 ملياري دولار، وهو عجز لم يكن ليظهر لو كان لدينا معملان للتكرير يكفيان الحاجات المحلية ويفسحان في اكتساب الدخل من التصدير.
قبرص اليونانية، بلد الـ600 الف قبرصي يوناني، التي يبلغ دخلها السنوي القائم 20 مليار دولار، استطاعت استقطاب التزام استثماري مقداره 10 مليارات دولار، لمشروع يستوجب انجازه ثلاث سنوات الى اربع. بكلام آخر، الاستثمار في هذا المصنع وحده سيوفر لقبرص وسطياً 2,5 ملياري دولار من الاستثمار سنوياً، وهذا طموح لا نحققه حالياً في لبنان، البلد الذي يبلغ حجم اقتصاده 2,5 ضعفي حجم الاقتصاد القبرصي، علماً بأن معدل دخل القبرصي اعلى ثلاثة اضعاف مما هو معدل دخل اللبناني.
ان السبب الرئيسي لانحسار معدلات النمو وتعاظم عجز ميزان المدفوعات في لبنان، هو عدم استقرار المناخ السياسي، أي عدم اتضاح منهج السياسة العامة على الصعيد الاقتصادي. فثمة مخاوف من شطط في التوجهات الضريبية، وهنالك حذر من الاستثمار في لبنان من الاخوان العرب لانهم لا يستطيعون استكشاف النيات، والصورة عن الوضع بين اللبنانيين انهم متربصون بعضهم بالبعض، والتركيز بات فئويا لا وطنيا في الشأن الاقتصادي، وهذا الامر يعني ان المنطلقات الكبرى لا تزال مؤخرة او متأخرة او مجمدة.
بعض بصيص الامل يلوح من الخطوات المفترض اقرارها بالنسبة الى عمليات التنقيب عن الغاز والنفط، ومن ثم ادارة شؤون هذا القطاع في حال العثور على احتياطات ملحوظة.
ان لبنان بمعطياته الطبيعية، ولا سيما منها تساقط المياه، وطبيعته الخلابة، او ما تبقى منها، وشواطئه، واهله، وجامعاته المحترمة، مؤهل لان يكون البلد الاكثر تطوراً في المنطقة، لكنه نتيجة تحول تحركه السياسي الى تحرك طائفي ومذهبي صار البلد الاكثر تأخراً على صعيد منشآت البنية التحتية، وحل النزاعات القانونية، واطمئنان المستثمرين الى أجوائه السياسية والقانونية، والطريق طويل امام جيل السياسيين الجدد اذا هم تولوا سدة المسؤولية.