كلام فرنجيه مطروح أمام بكركي والقادة الموارنة
مَن يستفيد من دعم النظام السوري في لحظاته الحرجة؟
يتخطى الكلام الذي قاله رئيس تيار "المردة" النائب سليمان فرنجيه في المؤتمر الصحافي للدفاع عن الوزير فايز غصن موضوع "القاعدة"، على خطورته، لجهة تعريض لبنان للمساءلة الدولية حول وجود عناصر من التنظيم الاصولي على ارضه.
فكلام فرنجيه تضعه مصادر سياسية مطلعة في خانة مغايرة تماما، تتعلق بالمشهد المسيحي الجامع الذي حاول البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي تقديمه حين جمع القادة الموارنة في اكثر من لقاء في بكركي. ذلك ان فرنجيه تخطى الدفاع عن غصن الى توريط الجيش في تبني رواية التزمت قيادة الجيش الصمت حولها. فالانشغال بمتابعة ملف "القاعدة" لم يغفل اهمية كلامه في الدفاع عن نظام الرئيس السوري بشار الاسد والتشبث به.
وتضع هذه المصادر هذا الكلام امام البطريرك الراعي والقادة الموارنة الثلاثة الآخرين، الذين يفترض ان يتشاركوا في همّ وطني واحد في مقاربة الوضع الماروني في خضم المتغيرات التي تحيط به ودرس التأثيرات الاقليمية عليه. وبحسب هذه المصادر فان هدف اللقاءات في بكركي ليس بحث قانون الانتخاب فحسب، على اهميته، او البحث في التعيينات الادارية التي تصب غالبا في اطار المحاصصة، ولا سيما ان الموضوعين ليسا حكرا على الموارنة لتقرير مصيرهما، مع العلم ان البلبلة سادت الجو الماروني العام حين تدرّج البحث في قانون الانتخاب من قانون طموح وعصري هو قانون النسبية وصولا الى مشروع تقوقع مذهبي خالص.
فلقاء بكركي كان يفترض ان يضع القادة الاربعة – او بالاحرى الخمسة – امام مسؤولية تاريخية في صوغ موقف يتعلق بالمتغيرات المحيطة بلبنان والتي تترك تأثيراتها على وضع المسيحيين فيه وفي العالم العربي. واذا كانت بكركي خطت في مستهل حبرية الراعي خطوة ناقصة في تبني كلام الاسد حول حماية الاقليات، الا ان ثمة اصواتا في مجلس المطارنة بدأت تفرض ايقاعا مختلفا حول هذا الموقف الذي اثبت عدم جدواه، وخصوصا ان ذلك يترافق مع نظرة فاتيكانية بدأت تدرك خطورة التصريحات التي أُطلقت في هذا الصدد. وقد اضطلعت فرنسا ولا تزال بدور محوري في تأطير ذلك والتشديد عليه مرارا في المحافل الفاتيكانية، منذ زيارة الراعي الى باريس.
أضف ان الخصمين التقليديين العماد ميشال عون والدكتور سمير جعجع يبتعدان منذ مدة عن الاحتكاكات المباشرة والتراشق بالاتهامات، ولا يخوضان في القضايا التفصيلية والصغيرة التي تمس الملف السوري. فعون يدرك تماما ومنذ ان قال كلاما عن قرب انتهاء الاحداث في سوريا، ان المتغيرات اكبر بكثير مما ينقله بعض الشخصيات اللبنانية التي كانت تزور دمشق وتنقل اليه اجواء النظام السوري. اما جعجع الذي كان متريثا شأنه شأن قيادة الكتائب في مقاربة الاحداث السورية وانهيار نظام الاسد خوفا على المسيحيين فيها، الا انه منذ خطابه في جونيه في ذكرى شهداء "القوات اللبنانية" حدد مسارا اقليميا جديدا لـ"القوات" فتح امامه ابواب السعودية بعد الكويت والامارات.
واستطرادا فان ما يمكن ان تقبل عليه سوريا في الايام المقبلة يضع القادة الموارنة امام تحد مصيري من نوع مختلف عما عايشوه هم انفسهم منذ الثمانينات وحتى اليوم. لذا يصبح لكلام فرنجيه عن الوقوف الى جانب الاسد، اهمية مارونية مختلفة عن كلامه عن الاصوليين. فربط الموقفين من "القاعدة" ودعم الاسد، كان رسالة مزدوجة التقط مغزاها الرئيسان ميشال سليمان ونجيب ميقاتي، فالتزما الصمت حيال ما قاله رئيس "المردة" لانهما ادركا ان رسالة فرنجيه الثانية جاءت لتعزز الرسالة الاولى التي صدرت عن لسان غصن. وهذا يعني ان ثمة مستوجبات لا تزال مطلوبة، وان ما قد يُقبل على لبنان اكبر بكثير مما هو معروف. فسوريا لم تستنفد كل وسائلها في لبنان، وحلفاؤها المباشرون من احزاب وشخصيات لا يدورون في فلك "حزب الله"، قادرون في اي لحظة على محاولة قلب الطاولة مجددا. وما لم تستطع دمشق ان تقوم به في اي من المدن السورية العصية عليها، قادرة على ادارته في اي دائرة لبنانية صرف.
من هنا السؤال المطروح على بكركي في كيفية ادارتها من الآن وصاعدا للعبة الاجتماع الماروني بعيدا من الصورة التذكارية، وبما يتعدى التورط اكثر في دعم النظام السوري من احد اركان اللقاء، ولو انه ألحق كلامه بالتأكيد انه لا يدعمه على حساب مصلحة لبنان، لأن اي اتفاق ماروني داخلي، حتى لو على قانون انتخابات، قد لا تكون سوريا راضية عنه، يمكن ان يبوء بالفشل. وما قامت به دمشق اخيرا من إخبار للامم المتحدة حول وجود "القاعدة" في لبنان بعد التفجيرين اللذين استهدفاها، لا يبشر بكثير من الخير. فذهاب الاجتماعات المارونية في اتجاهات تفصيلية (كما تشهدها لجنة المتابعة) عشية لحظات مصيرية، تظهر عجزا واضحا في تحديد مسار رؤيوي واضح يكرس دورا مسيحيا في المتغيرات. والاخطر من الانكفاء عن الدور، هو زج احد القادة الموارنة في لعبة اقليمية بدأت تنذر بأخطار كثيرة.