#dfp #adsense

هل ينسحب موقف بكركي من السلاح على الأزمة السورية؟

حجم الخط

حسم البطريرك الماروني أمره في مسألة حصرية السلاح داخل الدولة عبر فكّ الارتباط بين سلاح «حزب الله» الذي يجب أن تكون مرجعيّته داخل المؤسّسات والمسائل المتصلة بـ»كفرشوبا ومزارع شبعا واللاجئين» التي يعود للدولة وحدها مسؤولية متابعتها وإيجاد الحلول المناسبة لها.
 
لم يعد من أدنى شكّ أنّ المواقف المكرّرة للبطريرك الماروني من موضوع السلاح والذي جاء بيان مجلس المطارنة ليتوّجها في إشارة واضحة إلى عودة بكركي لثوابتها، أدّت إلى حسم الجدل أو النقاش السياسي حيال تموضع هذا الصرح الوطني الذي كان وما زال مع خيار الدولة في لبنان التي وحدها توفر الاستقرار الذي يشكّل البيئة الصالحة والمؤاتية لبقاء المسيحيين في لبنان وعدم هجرتهم إلى الخارج.

فالسلاح بيد فئة من اللبنانيين يجعل هذه الفئة، بحكم الواقع، تستقوي على الفئات الأخرى، ما يهدّد صيغة العيش المشترك والشراكة المسيحية-الإسلامية، فضلا عن أنّ الوظيفة الإقليمية لهذا السلاح تجعل لبنان مهدّدا ومعرّضا باستمرار لحروب داخلية وخارجية، كونه يستجلب حروبا لحساب الآخرين وأهدافهم.

ولكن بعد أن حسمت بكركي موقفها من السلاح، تبقى بعض المسائل التي بحاجة إلى رصد ومتابعة وتوضيح، ومن المفيد في هذا السياق تسليط الضوء على جملة مواقف أطلقها المطران سمير مظلوم المقرّب من البطريرك والتي تستحقّ التوقّف عندها:

أولا، "تفاهم "حزب الله" مع العماد ميشال عون ساهم في تبريد حماسة الحزب لمزيد من اللقاءات مع بكركي بعدما شعر انه يقيم علاقة تحالفية مع طرف مسيحي فاعل".

ثانيا، "نظرية "تحالف الأقليات" عرضت قديما على بكركي بغرض قيام تحالف يهودي – درزي – علوي – مسيحي ضد الأكثرية السنّية، لكن موقفنا في بكركي كان رافضاً بشدّة لأنها ليست الحلّ الأنسب".

ثالثا، "العلاقة مع القوى السياسية المعتدلة في الوسط الإسلامي "لا تشوبها شائبة"، لكن المشكلة تكمن في عدم مبادرة الإسلاميين و"الأخوان المسلمين" في اتجاه بكركي وعدم تواصلهم معها في شكل رسمي".

رابعا، البطريرك الراعي "ينطلق في دعوته الى تطوير النظام من وضع الدولة "المكربج" الذي يستدعي الجلوس الى طاولة حوار لمناقشة الأمور المتأزّمة بإخلاص وإرادة مشتركة"، معتبراً أنّ "اللامركزية في هذا الإطار قد تكون حلاً على أن تكون قائمة على الحوار والتفاهم الحضاري".

خامسا، "النظام السوري عرض على بكركي التعاون تحت عناوين عديدة"، ولكنها رفضت انطلاقاً من التمسّك بفكرة "لبنان أولاً والوحدة الوطنية والعيش المشترك ولبنان الرسالة".

سادسا، "الخشية على مصير المسيحيين والأقليات في سوريا نتيجة الإبهام في الموقف السياسي لقوى المعارضة".

تجسّد هذه العناوين مجتمعة مبادئ بكركي وثوابتها من جهة، ونظرتها ومقاربتها حيال الملفات الساخنة من جهة أخرى. ولكن مع تشريح النقاط التي أوردها المطران مظلوم وتحليلها، بتصرّف، يتبيّن الآتي:

أ- انفتاح "حزب الله" على بكركي جاء بعد شعور الحزب بتراجع الوزن التمثيلي للعماد ميشال عون، كما حاجته إلى الانفتاح على عدّة مواقع سياسية-وطنية في ظلّ مرحلة تحوّلات مفصلية. وهذا ما يفسّر رفض الحزب الردّ على المواقف المستجدّة لبكركي وعدم التعليق عليها وتجاهلها وكأنها لم تكن، على غرار رفضه القطع مع النائب وليد جنبلاط على خلفية مواقفه من النظام السوري.

ب- إنّ ما يسمّى بتحالف الأقليات لا أساس له في قاموس بكركي التي ترفع عنوان "لبنان أولاً والوحدة الوطنية والعيش المشترك ولبنان الرسالة"، ولكن لا بأس تحت هذا العنوان بالتفكير في الصيغ التطويرية للنظام السياسي، وللمرة الأولى، ربما، التي تطرح فيها الكنيسة فكرة عملية، أي اللامركزية، في موازاة الدولة المدنية التي أقرّتها في الوثيقة السياسية الصادرة عن المجمع الماروني. ولعلّ الفارق بين الفكرتين أنّ الدولة المدنية ما زالت مجرّد فكرة عامة بحاجة لوضع آليات وشرح مضامين، بينما اللامركزية ببعديها الإداري والسياسي لا تحتاج إلى كثير من العناء لشرحها وتطبيقها.

ولكن بمعزل عن الموقف المؤيّد لهذه الفكرة أو المعارض لتلك، يبقى أنّ بكركي تحمل مشروعا سياسيا، كما يبدو أنها تستعدّ للحظة التي ستستدعي "الجلوس الى طاولة حوار لمناقشة الأمور المتأزمة بإخلاص وإرادة مشتركة".

ج- لا يجوز أن تكون بكركي مطالبة بموقف سياسي من الثورات العربية في الوقت الذي لا تجد فيه القوى المعنيّة بهذه الثورات أي ضرورة للانفتاح على بكركي والحوار معها، وقد كان مظلوم واضحا في هذا السياق بإشارته إلى أنّ المشكلة تكمن في عدم مبادرة الإسلاميين و"الأخوان المسلمين" في اتجاه بكركي وعدم تواصلهم معها في شكل رسمي". فما يحصل في العالم العربي ليس تفصيلا، وفي حال كان المكوّن المسيحي أساسيا في هذه المنطقة، وهو كذلك، يجب الانفتاح عليه والتواصل معه وتبديد هواجسه.

ولعلّه يجب التمييز بين الموقف المبدئي الذي تمّ التعبير عنه في بيان مجلس المطارنة السابق عندما أكّد على حقّ الشعوب في تقرير مصيرها، وهذه مسألة بديهية انطلاقا من دور الكنيسة التاريخي في الدفاع عن حقوق الإنسان والحرّيات، وبين مسؤولية الكنيسة في مقاربة قضية المسيحيين المشرقيين، وهي قضية مطروحة. فنظرة الكنيسة لما يحصل في سوريا هي نظرة تعدّدية لا أحادية، وهي لا شكّ تعتبر أنّ نظام البعث بات من الماضي، وأنه نظام غير إنساني، ولكن لا يجب مطالبة الكنيسة باتخاذ موقف مشابه لموقف النائب جنبلاط بدعوة الدروز إلى عدم المشاركة بالقمع، لأنّ واقع المسيحيين في سوريا يختلف عن واقع دروز الذين يشكّلون ثلث الجيش السوري وقد لقي لغاية الآن حوالى 40 ضابطا درزيا حتفهم وأكثر من 100 عسكري، وهم من الفاعلين بالقمع، وبالتالي دعوة جنبلاط لهم طبيعية.

ولكن ما هو مطلوب، ربما، من الكنيسة، في هذه اللحظة التاريخية، أن تعيد تأكيد موقفها لناحية حقّ الشعوب بتقرير مصيرها، وأن تتوجّه إلى الإنسان السوري من كلّ المذاهب والطوائف والمشارب بغية دعوته من أجل أن يتحدّى الظلم والقمع وعدم المشاركة في العنف، والدفع باتجاه بناء مجتمع يحفظ التنوّع والتعدّد ويحترم الإنسان، ومع هذا الموقف تكون الكنيسة عادت لتلعب دورها التاريخي الذي تمكّنت عبره من جعل المسيحيين جماعة رؤيوية وريادية.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل