
كتبت ريتا صفير في "النهار": ينقل عن الرئيس العراقي الراحل صدام حسين اثارته والرئيس السوري الراحل حافظ الاسد موضوع "حارة النصارى" في لبنان خلال القمة العربية في الدار البيضاء. سأل صدام الأسد عن سبب دكه المتواصل للمناطق الشرقية سابقاً، مذكراً بتاريخية وجود "حارات النصارى"، في سياق اشارته الى أهمية المحافظة على الحضور المسيحي الفاعل في هذا الجزء من العالم.
من قصة "حارة النصارى" وتوابعها -وقد حفلت بمثيلاتها "سياسيا" حقبة الوجود السوري في لبنان في مرحلة ما بعد الطائف- تنطلق مجالس معراب في تعليلها "للاسباب الموجبة" التي حدت قيادتها الى تأييد مشروع "اللقاء الارثوذكسي" للانتخابات النيابية. واذا كانت اصداء الردود بلغت آذان المسؤولين في حزب "القوات" وفي مقدمهم رئيسه الدكتور سمير جعجع، فلا يتردد هؤلاء في تصنيفها نوعين. ردود ايديولوجية الطابع تنطق بعقلية اصحابها وأخرى تتبع مبدأ "التقية"، القائمة على قول نقيض المبتغى لاهداف مكشوفة.
تكراراً، تتم الاستعانة بأمثلة وشهادات مستوحاة من الانظمة الانتخابية الاميركية. هي استعانة تبدأ بطريقة توصل عبرها الاميركيون الى تخفيف الاحتقان التاريخي بين البيض والسود وأدت فيها الآليات الانتخابية دوراً مهماً، ولا تنتهي بتشديد متواصل على الفصل بين التقنيات التي من شأنها ايصال ممثلين حقيقيين للشعب الى البرلمان. والمشاريع السياسية المتبناة والتي تبقى الأساس في تحديد معيار الانفتاح لدى اي حزب أو مجموعة.
"القوات" تؤيد مشروع "اللقاء الارثوذكسي". ولا لبس في ذلك. في الشكل، يرى القيمون عليها أن الاقتراح "يشبه توجهات مسيحيي 14 آذار الى حد بعيد". وفي المضمون لا يتوانون عن القاء لوم اقتراب المسيحيين سابقا من فلك 8 آذار وتوابعه الى ممارسات حقبة التسعينيات حتى مطلع الالفية الجديدة: "تلك الأيام تقاسم الزعماء الحاضرون المغانم. فكانت النتيجة أن طبق اتفاق الطائف على حساب طائفة، بعدما غابت أو غيبت قياداتها".
بكلام بسيط، تحضر في خلفيات الخطاب المسيحي وتحديداً الماروني سلسلة معطيات تبريرية لخطوة وصفت بـ"التقوقعية". اولها غياب مشاريع بديلة، علماً أن تأييداً أولياً ظهر لمشروع وزير الداخلية والبلديات مروان شربل القائم على النسبية، ما لبث ان أدى تقسيم الدوائر الى استبعاده. وثانيها، مسعى في اتجاه ما يعرف بـ"فتح اللعبة". وغايته كما يقول المعنيون تفادي "اعادة تمليك" "امل و"حزب الله" الطائفة الشيعية، وتعبيد الطريق امام "التيار الثالث" ليتمكن من ايصال ممثليه.
طائفية أو… لا طائفية، تلك هي المسألة. والمعادلة هذه تحضر بقوة في المناقشات "القواتية" و"الآذارية"، انطلاقا من هاجس خفض منسوب الاحتقان السائد. من ركائزها، ترجيحات استحقاق 2017 الانتخابي والتي تؤشر الى غياب التأثير المسيحي الجدي في 4 اقضية هي: جبيل المتن الجنوبي، جزين، زحلة، بينما تكاد المعضلة هذه تفرز أحد احتمالين، ترك الامور لتغلغل الفكر التقسيمي من جهة، او تعزيز مبررات هجرة المسيحيين من جهة أخرى.
لا شك في ان الملف حضر مع تشعباته في المداولات بين الرئيس سعد الحريري والدكتور جعجع في زيارته الأخيرة للرياض. وفي حين تؤكد الاوساط المتابعة ادراك الحريري التام وضع المجموعة المسيحية في لبنان واتفاقاً ثنائياً على تشخيص المشكلة، تقر بأن مشروع "اللقاء الارثوذكسي" لن "يشيل الزير من البير"، مشيرة الى خطوات اخرى مكملة مثل اشراك المغتربين في الاستحقاق الانتخابي المرتقب. ويبقى الاهم من وجهة نظرها طرح الموضوع من دون تشنج. وأن لحديث الحريري- جعجع صلة، سواء في بيروت او خارجها.