كتبت صحيفة "اللواء": شهدت الأزمة السورية بعد مجيء المراقبين لتنفيذ المبادرة العربية سلسلة من التطورات التي، إن كان لا بدّ من وصف لها، فإن الوصف الملائم، مع مجرى الخطة البعيدة، إن على مستوى التكتيك أو الإستراتيجية، هو أنها حملت سلبيات بالغة، سواء بالنسبة للمؤشرات العامة للأزمة، أو سواء بالنسبة لإنضاج القرارات الدولية الكبرى، الرامية إلى محاصرة جدّية لنظام الرئيس بشّار الأسد، الذي دخل في سباق مع الوقت، علّه ينجو من المصائر المكتوبة، التي أصابت سواه، من قادة وزعماء، منهم من نجا بنفسه، عبر اللجوء السياسي، مثل زين العابدين بن علي، ومنهم من قُتِل بالرصاص أو الآلات الحادّة كمعمّر القذافي، بطل الخيالات الدينكوشوتية، من «أمين القومية العربية» إلى «ملك ملوك أفريقيا» وقائد الثورة، الذي لا يتعب، الى الرئيس المريض محمد حسني مبارك، الذي اعتلى سدّة الرئاسة في مصر، كخلف للرئيس المؤمن محمد أنور السادات، المقتول في 6/10/1981، على خلفية الإتهام بالخيانة والتوقيع على معاهدة كمب ديفيد.
من التطورات السلبية تحضير الأجواء، سواء عبر السفير جيفري فيلتمان الذي طار إلى القاهرة، قبل أكثر من أربعة أيام على اجتماع مجلس وزراء الخارجية العرب، المخصص لمناقشة أول تقرير تعدّه هيئة المراقبين، بعد مضي أكثر من أسبوعين، على بدء مهمتها في المدن السورية، لمراقبة سير الأحداث، ولرصد إمكان وقف العنف، وإطلاق سراح الأسرى، في محاولة للإيحاء بأن تقرير الخبراء يفتقر إلى الدقة، ما لم يتمكن من التأثير للأخذ بوجهة نظر تعتبر السلطات السورية لم تكن متجاوبة مع المهمة العربية.
ومن التطورات السلبية أيضاً، التصريحات التي صدرت عن رئيس اللجنة الوزارية العربية، من نيويورك بعد لقاء الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، من قلّة خبرة المراقبين في مهمة تحديد الجهة التي تباشر خرق الهدوء، وتتولى إطلاق النار، سواء باتجاه المتظاهرين، أو على قوات حفظ النظام..
وجاءت التحضيرات لعقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي، بالتزامن مع مناقشة مجلس وزراء الخارجية العرب مضمون التقرير الأول للمراقبين، لتؤشر إلى الرغبة الجامحة دولياً، وربما عربياً، لرفع القضية إلى مجلس الأمن مع تطورين إثنين:
1- مطالبة الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا الحكومة الروسية الأخذ بعين الاعتبار ما يتعرّض له الشعب السوري.
2- خروج لبنان والبرازيل من عضوية مجلس الأمن، وبذلك يخسر الجانب السوري صوتين داعمين له، في وقت تأخذ فيه المفاوضات الأميركية – الروسية، مجالها للتفاهم على إعادة بحث الملف السوري في مجلس الأمن، في ضوء معلومات أُبلغت إلى جماعات عربية ولبنانية أن موسكو أبلغت حليفها السوري أن الفرصة المعطاة للنظام لإثبات جدّيته، والتعامل مع المبادرة العربية، قبل فوات الأوان.
وتقول مصادر المعلومات، التي نُعتت بأنها دبلوماسية مطّلعة في العاصمة الروسية أن موسكو ليس بإمكانها أن تمضي في توفير الغطاء إلى ما لا نهاية لنظام الرئيس الأسد، وأن حجم التفجيرات والضحايا المرتبطة بها، إن دلّت على شيء فإنما تدلّ على عجز ظاهر وفعلي للنظام عن التقاط الأنفاس، والانتقال إلى مرحلة المعالجة الجدّية.
بالمقابل، تتحدث معلومات أخرى، عن أن دخول سوريا دائرة الحرب الأهلية، بكل مواصفات هذه الحرب، سواء بالإستناد إلى الحرب الأهلية اللبنانية، أو التفجيرات الإنتحارية الخطيرة في العراق، من شأنه أن يسرّع إدخال ملف الأزمة الخطيرة في هذا البلد على جدول أعمال مجلس الأمن الدولي.
كتب، قبل أسابيع، كون كوفلين مقالاً في «الديلي تلغراف» اللندنية، وهو خبير بتغطية الحروب الأهلية، لا سيّما الحرب الأهلية في لبنان خلال عامي 1975 و1976، أن تزايد أعداد القتلى يُنذر بانزلاق سوريا إلى حرب أهلية واسعة النطاق، متحدثاً عن إلقاء جثث 60 شخصاً اختطفوا من مدينة حمص في الشارع، معلناً أن مثل هذا الفعل يذكّره بما كان تفعله ميليشيات الموت الكتائبية ومنظمة التحرير عندما كانت تخطف أشخاصاً، وتلقي جثثهم عند الخط الأخضر، وسط بيروت في ساعات الذروة لإثارة العنف الطائفي.. والأمر نفسه حدث في العراق، عندما كانت، وما تزال القاعدة، وبعض الميليشيات الشيعية يخطفون ويقتلون بذات الطريقة لإشعال الصراع الطائفي..
المسألة، هنا، الوضع الحالي في سوريا يقترب من حرب أهلية، على طريقة لبنان والعراق، وفي الوقت نفسه أمامه تجربة معمّر القذافي، الذي استخدم العنف على نطاق واسع لقمع الثوار، الذين لجأوا إلى السلاح ودعم الناتو للوصول إلى ما أسموه بتحرير ليبيا نهاية تشرين الأول الماضي..
تتحدث مصادر عربية عن أن تقرير المراقبين يتعيّن أن يشكّل المدخل لتدخّل الأمم المتحدة من باب حماية المدنيين أو على الأقل المساعدة في توفير الحماية، أو للحؤول دون تفاقم الحرب الأهلية، بما يؤدي إلى توليد حالات غير قابلة للمعالجة من نوع الإنقسامات العامودية، طائفياً وإتنياً. فالتدخّل الدولي يحتاج ليس فقط إلى أن يرفع المتظاهرون، شعارات «التدخّل الدولي مطلبنا»، أو أن يُجيز الشيخ يوسف القرضاوي، في مقابلة مع «الفايننشل تايمز» البريطانية، للسوريين طلب التدخل الدولي «إذا لم يتمكّن العرب من وقف المجازر بحق المدنيين»، بل إلى طلب من الجامعة العربية، إمّا لتدخّل «الناتو» أو أي قرار من مجلس الأمن، ينشئ منطقة عازلة، ويؤسس لإنشقاقات خطيرة، تجعل من النظام غير قادر على البقاء أو حتى الصمود..
في الحسابات الجارية، دولياً، كيفية ترويض الموقف الروسي والصيني، لمنع لجوء أيّ من الدولتين، لاستخدام حق النقض «الفيتو» ضد أي قرار يشكّل مزيداً من العقوبات المُجمع عليها، سواء في الحظر الجوّي (No Fly zone) بمنع الطيران، بكل أشكاله، من بلوغ منطقة بذاتها، أو التدخّل الدولي. المُحكى عنه، في أروقة مجلس الأمن، والذي يشكّل تطبيقاً للإنموذج الليبي، بما يتلاءم مع الوضعية السورية، لجهة الدعم الذي يلقاه النظام، من إيران، والعراق، وبعض لبنان الرسمي والحزبي والشعبي، عبر توفير غطاء قانوني «لملاذ آمن» (Save Haven)، وتوفير الدعم العسكري واللوجستي للمسلحين، رداً على السلطة التي تمارس العنف، وتمضي قدماً في مواجهة حركات الإحتجاج.
ثمّة إقتناع دولي وعربي، بأن مرحلة جديدة، ستبدأ في سوريا، مع الانسحاب الأميركي الكامل من العراق، تقضي بإبعاد حكم عائلة الأسد، وحزب البعث عن السلطة، مهما كان الثمن. وبموازاة كل الحركة الجارية من نيويورك الى القاهرة فموسكو وبكّين، فإن زيارة أحمد داود أوغلو إلى إيران تحمل أكثر من معنى، ومهمة، لجهة إقناع القوة الإقليمية الصاعدة بقوة نووية وصاروخية هائلة بأن عليها أن تُعيد النظر بدعمها الشديد للأسد. فصحيفة آرمان الإصلاحية، التركية اليومية، تكشف أن أوغلو، تحرّك، لينقل الرسالة التركية: إذا استمر الوضع عنفياً في سوريا، فالمجتمع الدولي ماضٍ في خيارات التدخّل، وعليه فالوقت حان لإيران لأن تفكّر بمصالحها على المدى البعيد.. لأن الوقت قد مضى بالنسبة للأسد ليخرج من الوضع الصعب، الذي هو فيه منذ أسابيع، وبالتالي فدعم نظامه، الذي بات بحكم الساقط عملياً، لا يمكن أن يُفيد إيران وحلفاءها بشيء..
الوقت، ينفد، والخيارات ضاقت، ولا تسوية للحرب بالدبلوماسية، أمّا المخارج، فهي مسألة وقت.. والإنتصار لن يكون لغير الأقوى!