#dfp #adsense

المرحلة الرابعة من “الثورة السوريّة”: تنحية الأسد

حجم الخط

لا أحد يملك مفاتيح تقدير لحظة السقوط النهائيّ للنظام المحتضر منذ أشهر عديدة في سوريا. مع ذلك، فالمعطيات والمناخات تتقاطع وتتفاعل لتوحي بأنّ الثورة تدخل مرحلة "رابعة"، سيكون من العسير فيها على النظام أن يبقى نظاماً ولو في الحدّ الأدنى للكلمة، عند الإنتقال إلى ما بعدها، وهذا يتّصل بشكل مباشر بمسألة وضع حد لرئاسة بشّار الأسد.

المرحلة "الرابعة" هذه هي نسبة لتأريخ المراحل على شكل يوزّعها بين تلك التي تبدأ بإنتفاضة درعا وتنتهي بقمع المنشقين في جسر الشغور، والثانية التي تمحورت حول مليونيّات ساحة العاصي وصولاً إلى اجتياح حماة، والثالثة التي اتسمت بنشوء المجلس الوطني السوريّ وبتحوّل الجيش السوريّ الحرّ إلى معطى أساسيّ وبالصمود البطوليّ لمدينة حمص، وترافقت مع بداية الإنتقال من الإنقسام الدوليّ إلى بلورة إجماع دوليّ حول الملف السوريّ.
المرحلة الرابعة بهذا المقياس هي الأخطر. النظام سيواجه فيها انسجاماً أكبر بين الأبعاد الداخلية والعربية والدوليّة لإحكام القبضة عليه، فضلاً عن ظهور بعد جديد، وهو بداية انكشاف تصدّع جهازه وحالات العياء واليأس التي تنتاب أذرعه بعد أشهر طويلة من القمع الدمويّ الهمجيّ لأبناء الشعب السوريّ. وعلى الصعيد الدوليّ، سيكون على النظام أن يعاين تطوّرات من نوعين: سياسيّ، وقضائيّ.

وهذا يعني عملياً، أنّه في الأيّام القادمة بالتحديد، سيظهر بوضوح، انه مهما كانت التباينات، هنا وهناك، حول طبيعة القوى التي تشكّل نسيج الثورة السوريّة، ونسبة الإخوان والسلفيين منها، وحول المسار الذي ينبغي أن يسلكه الحل السياسيّ في سوريا، وعلاقة ذلك بالمشكلة الطائفية والمناطقية، ومهما كانت التباينات أيضاً حول موقع سوريا المستقبليّ، فإنّ إجماعاً دوليّاً ضمنياً سيظهر ويطلب من بشّار الأسد الرحيل.

عدم امكانية تصوّر الأسد بعد الآن رئيساً مدى الحياة تعني حكماً عدم امكانية تصوّره رئيساً في السنوات المقبلة، لا بل عدم امكانية تصوّره رئيساً لأكثر من بضعة أشهر، مع التنبيه إلى أنّه هذه المدة أيضاً يمكنها أن تختصر بدخول عوامل جديدة على خط الحسابات.

والنظام، الأعلم من سواه بحاله، كان استبق هذه المرحلة "الرابعة" من الثورة، بمحاولة استيلاد نموذج الحرب الأهلية الجزائرية بداية التسعينيات، لكنّ لا يبدو أنّه أفلح ولو في الحدّ الأدنى في هذا المجال، لأن كلّ ما يفعله النظام من هذا القبيل لا ينتج عنه إلا الكشف الإضافيّ عن الطابع النافر لدائرته الفئوية، وصولاً إلى تعريته كنظام "أبارتيد فئويّ" بالضدّ من الأكثرية الساحقة من الشعب السوريّ.

في المقابل، فعلى الثورة السوريّة أن تسارع أكثر من أي وقت مضى لصياغة رؤى برنامجية حقيقية لسوريا ما بعد البعث وآل الأسد، وهذا يتصل طبعاً بالمشكلة الطائفية والمناطقية التي لا تختزل فقط إلى "مشكلة الأقليّات"، مثلما أنّ "مشكلة الأقليّات" هذه لا تختزل فقط إلى مشكلة "المسيحيين" كما يجري تظهيرها منذ مدّة. المشكلة تتصل بكيان شكّلت صعوبة تشكيل إطار وحدة وطنية متينة داخله مناسبة لـ"هروبه إلى الأمام" إمّا بنشدان قسم منه الوحدة مع العراق (النزعة الحلبية أواخر الأربعينيات وبداية الخمسينيات) وإما بنشدان أكثريته الوحدة مع مصر، وإما بتحوّله إلى كيان محكوم فئوياً داخله وتوسّعي في محيطه الشاميّ (الكابوس الأسديّ). وهذه المشكلة لا سبيل لحلّها بالعموميات فقط حول "الدولة المدنيّة" وحول "حكم القانون"، وحول "المواطنية". المطلوب أكثر من ذلك. ليس فقط "طمأنة" الأقليّات كما تجري العادة، بل إقرار التعدّدية سواء كانت تعدّدية دينية أو مذهبية أو لغوية أو جغرافيّة كمعطى وطنيّ أساسيّ لإعادة تشكيل سوريا، مع ما يعنيه ذلك جهوزيّة الثورة السوريّة أكثر من أي ثورة ربيعية عربيّة أخرى لتقديم مشروع مصالحة وطنيّة جريء، وللمجاهرة منذ الآن بأنّ السياسة الخارجية السوريّة سوف ترسم وفقاً لمصالح الدولة السوريّة والشعب السوريّ، وليس فقط نكاية بالسياسة الخارجية للنظام الذي بات بالإمكان القول الآن بكل ارتياح أنّه سيسقط قريباً.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل