لا يشبه إلاّ أصحابه ذلك الكلام المدرار عن "القاعدة" ومشتقاتها وتوظيفاتها وامتداداتها ومناخاتها وبيئاتها في لبنان.
كلام ممانع مضمونه مثل شكله ومثل أصحابه. حيث التزوير ممارسة سياسية فكرية متكاملة قبل أن تكون مذمّة جرمية. وحيث التأليف مرادف للإجرام قبل أن تكون له علاقة بأي منحى إبداعي. وحيث الكذب مراس متأصّل جاء من صلب، بل من أصلاب، منهجية لا تضع أمامها أي اعتبار أخلاقي من أجل الوصول الى أهدافها، ولا تعوّف أو توفّر أي وسيلة من أجل تأكيد سيطرتها الراهنة في مواجهة التحديات العظام التي تواجهها.
مرّت محطات كثيرة على مدى السنوات الست الماضيات برزت فيها مناحي تلك الممارسة في لبنان، وذهب أصحابها بعيداً في سياق تأكيد سياستهم وممانعتهم.. ويشهد الناس والله فوق الناس، أن ما ارتكب وفُعل في سياق ذلك الأداء كان صادماً في تركيب منتجاته وتناقضاته، وفي سيرة من روّج تلك التناقضات.. وكان صادماً في مدى شراسته، وفي مدى ارتكازه على كل ما ليس له علاقة بالممارسة المدنية، لا من قريب ولا من بعيد.
حتى ذلك المصطلح المعيب الخاص بالفجور فقد "رزانته" التوصيفية، ودلالته الى مدى اليأس من الوصول الى الحق بطرق أهل الحق، وبلاغة أهل العدل، وأحكام النصّين الديني والوضعي.. حتى ذلك المصطلح خرّ صريعاً أمام الحالات الممانعة التي رأيناها وعشناها وشهدنا ما شهدناه منها. وكأن قوة الاستبداد تستبدل قوة المنطق وسيادة العقل، بل تستبدل كل بيان في الأخلاق والسياسة وطبيعة الأشياء والمراتب الأولى للتوصيف الجمالي والخصال الحميدة والجليلة والنبيلة.
يكذب كثيراً أهل السياسة، وبعض كذبهم عدّة شغل ضرورية لا مناص منها! وبعضه الآخر ترجمة لخصال صاحبها الأصلية والأساسية. لكن في بعض نواحي الخلاصات الأكيدة، فإن الكذب يوصل، إذا انكشف، الى حالة من اثنتين: إما الاعتذار وتبعاته، وإما الخجل وما يفرزه من دواعي سترة وضبضبة بالتي هي أسلم وأحسن. لكن ممانعي السلطة السورية وحواشيها وإفرازاتها المحلية في السياسة والإعلام وقلّة الأخلاق، أوصلونا الى مراتب "أعلى" من كل تلك البنى الأخلاقية المعروفة، حتى صار القياس محدوداً ومحصوراً بنقطة واحدة لا ثاني لها: معنا أو ضدنا! وانسَ كل شيء آخر. كل قانون، وكل ناموس، وكل عرف، وكل منطق، وكل سؤال وكل جواب، وكل فضيلة كريمة ومعتبرة في هذه الدنيا.
يكرجون في الحكي عن "القاعدة" في لبنان، وكأن أحداً في هذه الدنيا لم يعد يعلم أين هي قاعدة تلك "القاعدة"، ومن أهم أرباب أفعالها وإفرازاتها، ومن نظّم وأسّس وأنتج ورعى وصدّر ذلك المنتوج إلينا وإلى غيرنا، من "نهر البارد" الى كل مدينة وبلدة عراقية ناخت بثقل الدم المهدور فيها!
ينسى أهل ذلك الصلف في كل ممارساتهم وارتكاباتهم، "القاعدة" الأساس للمنطق، التي بانت وظهرت في الأشهر العشرة الأخيرة في سوريا، بعد أن طُمِرت وطُمِست في لبنان تحت هدير السلاح والممارسات المشتقة منه.. ينسون أن الناس لا تمشي الى الخلف، ولا تسمع من "مناخيرها"، ولا ترى من أذنيها، ولا تشم من عيونها، ولا تحكم بغريزتها بل بعقلها، وأن ذلك العقل راجح بما يكفي لتركيب هذه الجملة: لا شيء بعد اليوم سيكون كافياً لإعادة تركيب "قاعدة" سلطة دمشق ولا تهديداتها، لا في مكانها، ولا في "مكاننا" ولبناننا!