كتبت كريستينا شطح في صحيفة "الجمهورية": قبل العام 2006 كانت الساحة المسيحية بشخصيّاتها "الخصامية" تجاه "حزب الله" و"المهادنة" تثير بعض "النقزة" في أذهان قيادة الحزب الحامل لسلاح موجّه ضدّ العدو.
هذه الريبة المثقلة بتاريخ من النفور إزاء الوظيفة التي اختارها الحزب لذاته، واضعة الفريقين أحياناً في دائرة المواجهة السياسية، لم تمنع من التقاء موضعي مع شخصيات مسيحية لا يتجاوز عددها عدد أصابع اليد، وإن كان القاسم المشترك بينهما محميّاً بحصانة التحالف الاستراتيجي مع سوريا، تعزّزها حتمية الواقعية في روابط التواصل بين حزب الله وبعض المسيحيين.
وحده التفاهم بين "التيار الوطني الحر" و"حزب الله" المخترق للأصول التقليدية في العلاقات بين القوى اللبنانية، أقلّه في تاريخ لبنان الحديث، اقتحم "صندوق التابوهات" وفتح أبوابه للنقاش العلني، البنّاء أحياناً، والهدّام في معظم الأحيان الأخرى. كانت البداية "ميكانيكية" على قاعدة التقاء المصالح، وسارت العجلة "برضى إلهي" وفق توصيف الأمين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصر الله، لتكون أحداث الخامس من شباط "شحمة على فطيرة" فتمنح توقيتاً ذهبياً لإعلان الوثيقة، قال فيه السفير الأميركي آنذاك جيفري فيلتمان "a very brilliant timing".
أوساط "حزب الله" تشير الى أنّ "هذا الدور رتّب على "حزب الله" بعض الأكلاف والتنازلات، لكونه يفرض عليه الابتعاد عن خوض المواجهات المباشرة، لمصلحة تدوير الزوايا وإنتاج التسويات، ما أدّى خلال الفترة الماضية الى ظهور "عوارض" فوارق غير مألوفة عن الحليف الأقرب والأوثق، أي "التيار الوطني الحر" الذي يفضّل اتباع سياسة اقتحام الملفات المطروحة بطريقة عسكرية، ولو أدّى ذلك الى الصدام داخل الحكومة، أو حتى إسقاطها، وهذا ما يزعجنا وقد صارحنا بالأمر أكثر من مرّة.
وإذ تؤكّد الأوساط أنّ العلاقة الاستراتيجية مع "التيار الوطني الحر" ما زالت متينة، تنبّه في الوقت ذاته الى أنّ تراكم التفاصيل والجزئيات، موضع التباين، قد يؤدّي شيئاً فشيئاً الى إحداث "اشتراكات" في جسم هذه العلاقة، ولذلك المطلوب معالجتها وعدم إهمالها، حتى لا يؤدّي تكدّسها الى أيّ مضاعفات.
وتقرّ المصادر بأنّ هناك اختلافاً مع "التيار" حول النظرة الى الوضع الداخلي وكيفية التعامل معه، بما يعكس الفارق بين واقعية الحزب ومبدئية "التيار" وهذا الاختلاف كان موجوداً في السابق بمعدّلات منخفضة، ولكن منسوبه ارتفع بعد تشكيل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي. ويجزم المصدر ألّا نيّات سيئة تكمن خلف سلوك "حزب الله" وهو بالتأكيد ليس جزءاً من منظومة الفساد ولا جزءاً من شبكة حمايتها، ولكن ترتيب أولوياته في هذه المرحلة يجعله يركز بالدرجة الأولى على حماية الحكومة والحفاظ عليها، في سياق خدمة الهدف الاستراتيجي والمتمثّل في حماية ظهر المقاومة، وهو هدف يشاركه فيه "التيار"، ولكن يختلف معه حول تكتيكات تحقيقه.
ويرى المصدر أنّه وانطلاقاً من هذه الأولوية يساير "حزب الله" جميع مكوّنات الأكثرية والحكومة، وأحياناً يفعل ذلك على حسابه وعلى حساب اتخاذ الموقف الصلب في مواجهة ما يفتح من ملفات، كما حصل على سبيل المثال لا الحصر، بالنسبة الى خطة الكهرباء ومطلب تصحيح الأجور، بل ان التسهيلات التي يقدّمها "حزب الله" تشمل أيضاً المواضيع الآنية واليومية المتصلة بعمل الحكومة، وذلك على قاعدة وجوب تسيير الأمور بالتي هي أحسن وبأقلّ الأضرار الممكنة، في حين يعتبر "التيار" أنّ المهمّ هو ليس فقط أن تمشي الأمور، ولكن كيف تمشي، ومدى مقاربتها بالطريقة الصحيحة ووفقاً للأصول.
ويلفت المصدر انتباه "حزب الله" إلى محاذير سياسة "تقديم التسهيلات"، خصوصاً أنها جُرِّبت في حقبة الرئيس رفيق الحريري، الذي ترك للحزب أن يتفرّغ للمقاومة فيما راحت تنبت في الداخل الصناديق والمجالس والسياسات المالية والاقتصادية الخاطئة، حتى أصبحت هناك دولة داخل الدولة، او على هامشها، داعياً الى عدم تكرار هذه التجربة مع الرئيس نجيب ميقاتي. ويرى المصدر البارز أنه إذا كان تكتيك "حزب الله" ينطلق من حرصه على بقاء الحكومة التي يملك ائتلاف الحزب والتيار وحركة "أمل" الأكثرية الوزارية فيها، فإنّ هذا العامل بحدّ ذاته يجب أن يكون حافزاً للضغط في اتجاه تفعيل إنتاجية الحكومة وتصويب مسارها، لأنها محسوبة بالسياسة على هذا الائتلاف ومصنّفة في خانته، وهذا ما يحمّل أطرافه مسؤولية أن يثبتوا أنهم قادرون على إحداث تغيير جذري في نهج الحكومة، وأنّ شعارات الإصلاح والمحاسبة ومكافحة الفساد التي كانوا يرفعونها خلال وجودهم في المعارضة لم تكن للاستهلاك.
ويشير المصدر الى أنّ "حزب الله" متفق مع التيار على أهمية الإصلاح ومحاربة الفساد وضرورة أن تنجز الحكومة ما يفترض أنها جاءت من أجله، ولكن يبدو أنّ لكلّ منهما دروبه للوصول إلى الهدف المشترك".
وتكشف المصادر عن أنّ الهزّة الأخيرة في مجلس الوزراء حول الأجور أحدثت ارتدادات سلبية على مستوى العلاقة بين الطرفين استمرّت لأيام، وبعد محاولات منعاً لاستمرار الفتور قدّمنا وعداً للعماد عون بأننا سنقف معه في التعيينات المسيحية وسنضغط على الرئيس نبيه برّي إذا لزم الأمر بهذا الخصوص.