كتب أسعد بشارة في صحيفة "الجمهورية": بمجرد أن تمّ الاعلان عن زيارة الامين العام للامم المتحدة بان كي مون يرافقه تيري رود لارسن الى لبنان، قام "حزب الله" باطلاق النار المسبق على الزيارة، غير مكترث الى انه جزء أساسي من السلطة التنفيذية التي ستجتمع مع الممثل الاعلى للشرعية الدولية
بَدا الحزب وكأنه يطلق النار على رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، وعلى كل ما سيدور في اللقاءات من تأكيد على التزام لبنان بهذه الشرعية، وتحديدا بالقرارات الصادرة عن مجلس الامن الدولي ذات الصلة، وهي بالتعداد الزمني القرارات: 1559 و1680 و1757 و1701.
ومرة جديدة يتجه الحزب الى مواجهة شركائه في الحكومة في مسألة الالتزام بقرارات الشرعية الدولية، وليس مستبعدا ان يكون الرئيس نجيب ميقاتي في مرمى التصويب بحيث يُدان لأنه التقطَ صورة تذكارية مع بان كي مون ورود لارسن، تماما كما أدين الرئيس السنيورة بقبلة كوندوليسا رايس، ولكن مع فارق أن ميقاتي يُراد منه اليوم ان يغطّ رأسه في رمال القرارات الدولية، فلا يتمَاهى مع بان كي مون في طلب تنفيذ القرار 1559 الذي ينصّ على سحب السلاح الفلسطيني وسلاح "حزب الله"، ولا يتردّد في رفض تنفيذ القرار 1680 الذي ينصّ على ضبط الحدود اللبنانية السورية، لأنّ هذا التنفيذ يوقف إمداد الحزب بالسلاح عبر الحدود، ولا يقبل بتجديد بروتوكول التعاون مع المحكمة الدولية انسجاما مع ما نص عليه القرار 1757، ولا يُجاري القرار 1701 الذي لم يطبّق، والذي ينصّ على نزع السلاح جنوبي الليطاني.
ويُخطىء من يقرأ موقف "حزب الله" المُسبق من زيارة بان كي مون وتيري رود لارسن على انه مجرّد تحسّس سلبي من دور رود لارسن ومهمته، هو الذي يكنّ له الحزب مشاعر سلبية، وهو المكلّف من الامين العام بإعداد تقرير نصف سنوي حول التزام الحكومة اللبنانية بتطبيق القرار 1559.
فالموقف من زيارة بان كي مون مردّه الى ان الامين العام للامم المتحدة يزور لبنان، في توقيت يفهم منه انه يهدف الى تسليط الضوء على تشديد الامم المتحدة على التزام الحكومة بكل هذه القرارات من دون استثناء، في رسالة واضحة ان لا أولوية لأي قرار على الآخر، سواء ما يتعلق بالمحكمة التي يرفض الحزب التجديد لبروتوكول التعاون معها او بالحدود اللبنانية السورية التي يرفض ايضا ضبطها بما يؤمن استمرار دخول السلاح، او بالقرار 1559 الذي تستمر تقارير رود لارسن بتذكير الحكومة انها لم تطبّق منه ما يكفي للقول انها ملتزمة بالشرعية الدولية، علما انّ محاولة قام بها ممثل الامين العام للامم المتحدة في بيروت لم تنجح، كانت عبارة عن إيحاء لحزب الله ولحلفائه بدفع الحكومة الى الطلب من الامم المتحدة إلغاء هذا القرار، بذريعة ان القرار 1701 ينص في مقدمته على تطبيق الـ 1559، ولو نجحت هذه المحاولة لأدّت الى إبعاد رود لارسن والانتهاء من تقاريره "المزعجة".
وتكفي معاينة من زاوية واسعة لمعارضة "حزب الله" زيارة بان كي مون الى لبنان، للقول إنّ الحزب اصبح فعلا في مواجهة مع شرعيات ثلاث، الاولى لبنانية والمعني فيها عرقلة تنفيذ القرارات الآنفة الذكر، والثانية عربية وهي المتمثلة بمعارضة المبادرة العربية للتسوية وبوقوفه الى جانب الانظمة في وجه شرعية الشعوب الثائرة، والثالثة دولية وهي المتعلقة بالوقوف في وجه قرارات الشرعية الدولية، ولم تكن مشكلة مع حكومات الحريري والسنيورة سوى تعبير عن هذه الخيارات، وأثبتت التطورات انه سيتعامل مع اي حكومة تلتزم بهذه الشرعيات، تماما كما تعامل مع الحكومات السابقة، وما محاولة حشر الرئيس ميقاتي قبل استقباله بان كي مون سوى نموذج يمكن ان يتحوّل الى صدام لن تتجه نتائجه، إلّا عندما يصبح الحزب امام مفاضلة إجبارية بين ان يسمح باستمرار هذه الحكومة التي يمرّر رئيسها بهدوء ما يستطيع تمريره، او ان يتجه الى اسقاطها بسبب عدم القدرة على تحمّل أن تستمر على وقع المأزق الذي يعيشه الحزب بقضم الإنجاز تلو الإنجاز، وصولا الى تجديد بروتوكول التعاون مع المحكمة الدولية.